د.أحمد جميل عزم

الأبعاد الدولية للانتخابات البلدية الفلسطينية

تم نشره في الأربعاء 14 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

عالجت في مقال سابق معنى تأجيل الانتخابات البلدية الفلسطينية من حيث هي انعكاس لفشل حركة "فتح" في تنظيم صفوفها الداخلية. ولكن بمتابعة التحليلات الغربية للموضوع أجد أنّه قد يكون له شق دولي يرتبط بمشاريع حل القضية الفلسطينية، وتحديدا بقضيتين: مشروع بناء الدولة من أسفل إلى أعلى، والثاني موضوع أهلية الطرف الفلسطيني للمفاوضات. على صعيد بناء الدولة الفلسطينية من أسفل إلى أعلى، أي بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية والتأكيد على القدرات على الإدارة وفرض القانون بغض النظر عن توقيع اتفاقيات سلام فإنّ هذا المشروع الذي ارتبط إلى حد كبير بمشروع حكومة سلام فيّاض يعكس أيضا موقفا دوليا وخصوصا أوروبيا، والأفكار التي يحملها مبعوث الرباعية الدولية توني بلير ليست بعيدة عن هذه الأفكار.

ومن هنا ربما نفهم زيارة سلام فياض الأخيرة إلى مقر المفوضية الأوروبية في بروكسيل، والمدقق في الزيارة يجد أنّها عمليّة أكثر منها سياسية، حيث كانت اللقاءات مع تنفيذيين ومع مسؤولين عن الميزانيات وما إلى ذلك، لا مع سياسيين.

ومن هنا نفهم، أيضا، أهمية الدعم الدولي للمشروع. وواقع الأمر أنّ المشروع ينجح على صعيدين رئيسيين؛ أولهما الحصول على الدعم الدولي وثانيهما إحداث أثر ملموس على حياة المواطن الفلسطيني وفي مواجهة الاستيطان وفرض أمر واقع أمامه. ولكن الثغرة الأساسية تبقى في تقبل ودعم القوى السياسية المنظمة له.

وإذا كان طموحا بعيد المدى أن يدعم فصيل مثل "حماس" المشروع طالما أنّه ينفذ على يد حكومة فيّاض، فإنّ موقف "فتح" يبقى عقبة كبرى، لا لأن قيادات في فتح غير راضية عن تولي فياض للحكومة وبالتالي لا تدعم عمليا المشروع، ولكن لأنّ الأصل أن تتجند فتح لدعم المشروع ميدانيا. وإذا ما كان كثير من قواعد "فتح" الشعبية يقوم بذلك، وإذا كانت المنظمات غير الحكومية والحملات الشعبية لمناهضة الجدار ومقاطعة المستوطنات باتت تنتشر وتتوسع يوميا وعلى حساب الفصائل القديمة التي يؤدي عجزها واستغراقها في تناقضات ثانوية لانفضاض الشارع عنها، فإنّ مناسبة، مثل الانتخابات البلدية، بدت مخيبة للآمال، لأنّ البلديات هي مجال مهم للتأكيد أنّ هناك حوكمة رشيدة تنضج في الضفة الغربية، فإذا لم تتحقق الانتخابات فهذا قد يبدو نكسة في إطار بناء مؤسسات الدولة. ومع أنّ الخاسر الأكبر على المستوى الداخلي يبقى "فتح"، ومع أنّ فشل تكوين بلديات فاعلة سيفتح المجال للمزيد من قوى المجتمع المدني لتبرز وتتولى المهام التي كانت تتولاها الفصائل سابقا، وبحيث تظهر قيادات وشخصيات مجتمعية تنافس قيادات التنظيمات لا في المناسبات الانتخابية مستقبلا، ولكن على استقطاب اهتمام والتفاف الشارع والناشطين، وهؤلاء سيصبحون أكثر وزنا في مشروع بناء الدولة، فإنّ عدم النجاح في تنظيم الانتخابات البلدية يثير علامة استفهام حول فكرة بناء مؤسسات الدولة.

من ناحية ثانية، كان الأصل أنّ الانتخابات البلدية ستقدم مثالا لنجاح "نموذج الضفة"، في وجه "نموذج حماس"، وستعطي مؤشرا على التفاف شعبي حول النموذج، ومن هنا ليس غريبا أن تشكل هذه الحادثة سببا لتساؤل دولي يوجه للرئاسة الفلسطينية، ولحركة "فتح": إذا لم يكن ممكنا أن تنظموا الصفوف في الضفة الغربية وأنتم وحيدون بلا منافس فكيف تتوقعون أن تحظوا بمكانة التمثيل الفعلي للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده وأن تحصلوا على الثقة في إدارة مستقبله؟ وهذا قد يشكل مدخلا إسرائيليا للتشكيك في وجود شريك للتفاوض، وكما يقول جفري أرنسون في مقال في "فورين بوليسي": "من الممكن للمرء أن يتخيل رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو وهو يخاطب الرئيس أوباما اليوم، بأنّه إذا كان عبّاس يخشى قرار شعبه، فكيف يمكن لإسرائيل أن تضع ثقتها به؟".

ahmed.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إفتتاحية إستفزازية (عمر)

    الأربعاء 14 تموز / يوليو 2010.
    سيدي! هل تعتقد حقا أن إسرائيل و الغرب يعملون على بناء دولة فلسطينية؟؟؟ سيدي ! بمجرد أن تتشكل حكومة فلسطسنية, على الطريقة الأميركية, و تتنازل هذه الحكومة عن حق العودة و اللاجئين (242) سيتم فورا تطبيق مشروع ترحيل الفلسطينيين من الضفة إلى الأردن و مشروع هدم "الأقصى" و تهويد القدس, ولن يفعلوا بإذن الله. سيدي! المخططات الإسرائيلية علنية و واضحة منذأن أعلنوا دولتهم عام 1948 ولا تحتاج إلى تحليلات.
  • »يقول المثل الأميريكي! (خالد السلايمة)

    الأربعاء 14 تموز / يوليو 2010.
    أسعد الله صباحك أخي العزيز أحمد

    مقالك اليوم غاية في الروعة و القوة

    حين كنت أتدرب في الولايات المتحدة كان هناك مثل أميريكي جميل أسمعه بإستمرار من الأطباء و غيرهم حين كنا ننوي عمل شيء معين يحتاج إلى إستعداد كامل! المثل بسيط جدآ و يقول (get your ducks in a row) و المقصود منه أن تقوم بترتيب أمورك قبل الدخول في أي مشروع كبير يحتاج إلى الإستعداد و الترتيب و التنظيم و التهيء.

    مقالك اليوم عبارة عن صرخة في وجه النائمين من أبناء فتح و إلى المتقاعسين من أبناء فتح و إلى الخائبين من أبناء فتح, و هو دعوة لهم للإستيقاظ من سباتهم العميق للعمل و للإستعداد و لأخذ زمام المبادرة. و بالمناسبة أخذ زمام المبادرة في العمل ليس بالأمر الهين و هو دلالة على النضج الفكري و النضج السياسي و فقدان زمام المبادرة دليل ضعف كبير.

    نريد المزيد من النقد البناء يا أبو عمر و الذي يساعد فتح في الوقوف على مفاصل الخلل فيها و محاولة إيقاظ الهمم الكبيرة ودفعها إلى العمل

    مبدع كالعادة