البحث العلمي في الشرق الأوسط!

تم نشره في الثلاثاء 13 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

النشر العلمي هو واحد من مخرجات النشاط العلمي المختلفة. ويعتبر النشر العلمي مقياسا للنشاط العلمي للفرد العالِم أو للمؤسسات العلمية. وله شروط وضوابط صارمة، وهذا ما جعله في واحد من أعلى مراتب التقييم. على ذلك ليس كل ما ينشر يعد بحثا علميا، وليست أية مطبوعة تنشر علما تعتبر مجلة علمية. كما انه ليس كل بحث ينشر يعد قفزة أو طفرة علمية.

كان لا بد من هذه المقدمة البسيطة لتناول تقرير نشرته مؤسسة (Science-Metrix) بعنوان "ثلاثون سنة في العلم" يهتم بدراسة العلاقة ما بين العوامل الجيوبولتيكية والنشاط العلمي وذلك من خلال دراسة النشر خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1980-2009). هذه الفترة الزمنية تغطي أحداثا سياسية كبيرة وخطيرة مثل انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من تغيرات في أوربا الشرقية. أما في الشرق الأوسط فنجد الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت وتحرير الكويت وسقوط النظام العراقي السابق. ويشكل العراق الطرف المهم داخل هذه المشاكل الشرق أوسطية.

استخدمت الدراسة مخرجات إحصائية من (Thomson Reuters, database) والخاصة بالنشر العلمي لتلك الفترة. وفيما يلي خلاصة سريعة لما بينته هذه الدراسة:

أولا، أن بعض الدول المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق عانت تراجعا في النشر. في حين أظهرت بولندا وليثوانيا واستونيا نموا واضحا.

ثانيا، كان النمو واضحا في الشرق الأوسط (حوالي أربع مرات أسرع من المستوى العالمي)، وتصدرت إيران وتركيا قمة النشاط.

ثالثا، ظهرت إيران على أنها أسرع دولة في العالم في بناء مقدراتها العلمية خلال العشرين سنة الماضية. ويعزو التقرير هذا النمو إلى البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل.

رابعا، ساهمت قارة آسيا خلال الثلاثين سنة بـ 155 % من النشاط العالمي متجاوزة أميركا الشمالية. أظهرت الصين نموا مذهلا حيث كان نموها أسرع بخمس مرات من النمو الأميركي. ولكن من جهة أخرى أظهرت الصين تباطؤا في نمو العلوم الإنسانية والاجتماعية مقارنة مع الولايات المتحدة.

خامسا، أدى احتلال الكويت إلى تراجع كبير في نشاطها العلمي واستطاعت الكويت استعادة نشاطها بعد التحرير، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى ما كانت عليه خلال عقد الثمانينيات.

سادسا، أدت الحرب العراقية الإيرانية إلى تراجع النمو العراقي في نهاية الثمانينيات ومن ثم انهيار النظام العلمي العراقي والذي استمر لغاية 2004 تقريبا.

سابعا، يعتقد التقرير بان هناك إعادة تشكيل عالمية للنشاط العلمي ويعطي لآسيا المكان المتقدم. حاليا تحاول أوروبا الحفاظ على موقعها في حين أن أميركا الشمالية تخسر موطئ قدمها لصالح آسيا وأميركا اللاتينية.

مما يلاحظ أن التقرير كان قد ركز على النشر العلمي كمقياس للتقدم العلمي، وهذا مقياس معتمد عالميا، إلا أن التقرير لم يبين مستوى النشريات العلمية وأنواعها التي تم اعتمادها في إحصاء البيانات، وبذلك تكون مدخلات العملية الإحصائية غير واضحة.

من جهة أخرى، فإن مؤسسات النشر العلمي العالمي تتركز أساسا في أوروبا وأميركا وجنوب شرق آسيا واليابان، ومعظم النشاط العلمي العربي منشور في مجلات محلية غير معروفة عالميا.

على أية حال، لقد لوحظ بعد منتصف القرن الماضي نوع من الانحسار في نشاط العلوم الصرفة لصالح النشاط التكنولوجي. هذه الظاهرة نتيجة عوامل كثيرة لا مجال لتناولها الآن. وهذا ما قادني لافتراض توسيع نموذج أوكست كونت (المراحل الثلاث للتطور الفكري) ليكون على أربع مراحل بدلا من ثلاث.

بروز النشاط الرابع (التكنولوجيا) لم يظهر إلا بعد وصول النشاط العلمي إلى نوع من الاستقرار في نموه. على ذلك نجد أن نمط النشاط العلمي التقليدي يكاد أن يكون مستقرا في أوروبا وأميركا التي عاشت نموا طبيعيا خلال القرون الخمسة الماضية وهي الآن في قمة تربعها.

الإبداع العلمي الذي وصفه الفيلسوف الأميركي كون (Kohn) أخذ بالتباطؤ وربما كانت آخر ثورة علمية هي ثورة الخريطة الجينية في التسعينيات من القرن الماضي. على ذلك نجد أن التجمعات الدولية المتقدمة والمترابطة علميا مثل الدول الغربية وحتى إسرائيل ذات نمو مستقر. يبلغ مؤشر النمو (Growth index) الأميركي 0.73، في حين مؤشر النمو الإسرائيلي 0.94.

البحوث العلمية الصرفة أخذت تشهد انحسارا وقل إقبال الطلبة والباحثين عليها كما قل الدعم المالي المقدم لها. معظم حالات النمو العلمي المؤشرة ذات طبيعة تطبيقية وتمول بحثيا من شركات صناعية أو مراكز بحوث تطبيقية، وهذه البحوث التطبيقية تعتمد على أساسيات العلوم الصرفة. بمعنى آخر أن نتائج هذه البحوث ذات تطبيقات علمية متخصصة وضيقة التطبيق. إنها تقود إلى ثورات تكنولوجية وليس ثورات علمية. وهذا ما يظهره التقرير في النمو الصيني.

أما بخصوص ظواهر النمو العلمي فقد أظهر التقرير أربعة أنواع من النمو:

- نمو في بعض الدول التي تحررت من قيود الأيدولوجيا (الشيوعية) وذات بعد أوروبي.

- نمو في الدول التي تحاول النهوض مثل الدول العربية. وكان مؤشر النمو العربي ما بين 0.47 للعراق و 3.29 لعمان.

- نمو متسارع لإيران بلغ 11.07. وهذا نمو تحفيز مؤدلج لأن مؤشرات التنمية البشرية التي أظهرتها الأمم المتحدة لم تبين نموا موازيا لهذا. وهذا ما يعني أن هناك تركيزا مقصودا على جانب معين من التنمية أكثر من الجوانب الأخرى. ويعرض التقرير مقدار التركيز على الكيمياء والهندسة - التكنولوجيا والفيزياء وحصلت فيزياء البلازما على أعلى مؤشر للنمو 95.8، في حين حصلت الهندسة الميكانيكية على أوطأ مؤشر 12.5. لقد أظهرت الفيزياء حصولها على اهتمام عال جدا في البحث العلمي الإيراني.

- نمو علمي صناعي صيني مذهل. إن الثورة التقنية الصينية بدأت بعد انحسار الثورة الثقافية لماوتسي تونغ وزوال تأثيرها. أظهرت الصين نموا متسارعا في تخصصات تطبيقية مثل علم المواد والبوليمرات والمعادن والتعدين، وهذه التخصصات هي ذات طابق تقني.

بدأ النمو الإيراني نهاية الثمانينيات في الوقت الذي بدأ فيه التلاشي العلمي العراقي. استمر التلاشي العراقي إلى حدود عام 2004 حيث بدأ النمو من جديد وهو الآن في حالة تصاعد بطيء. رغم الأدلجة الدينية الإيرانية فإن إيران ذات قاعدة علمية علمانية تم تأسيسها في عهد الشاه السابق وبقيت محافظة نوعا ما على البعض من التقاليد العلمانية السابقة.

لقد ظلت العلوم الطبيعية التقليدية بعيدة نسبيا عن التسلط الأيديولوجي، إلا أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تراجعت كثيرا. لهذا بقي النشاط العلمي الإيراني على علاقاته العالمية بعد الثورة من دون أن يتأثر كثيرا، واستمرت البعثات الطلابية إلى الولايات المتحدة والغرب عموما. ولا تختلف الثورة الإيرانية عن أي ثورة مؤدلجة في محاولة الاستثمار السياسي للعلوم في المجالات التي يهدف لها تطلعها الأيديولوجي.

التقدم الصيني الهائل الذي حدث بعد التخلص من الثورة الثقافية المؤدلجة لم يبنه التطبيل والدعاية الجوفاء لتاريخهم المجيد، بل الذي بناه هو التخلص من الأدلجة المتزمتة والانفتاح على العالم والسوق الحرة.

الباحث الصيني الآن لديه مختبرات وكتب ومؤسسات نشر صينية، ومؤسساته العلمية على صلة مستمرة بأشهر مؤسسات العلوم والتكنولوجيا في العالم، وهناك علاقة بين ما تنتجه البحوث وما تتبناه التكنولوجيا.

هناك أربعة عناصر مترابطة في النمو الصيني، وهي النمو الصناعي والنمو العلمي والنمو الاقتصادي، إضافة لعامل مهم وهو القدرة البشرية الهائلة وقابلية الفرد على تقبل الأفكار الحديثة، حيث لا يوجد تعارض ما بين الموروث التقليدي والحداثة. هذه العناصر تبين أن النمو الذي حققته الصين نمو حقيقي مترابط العناصر وليس نموا مؤدلجا أو بهدف ادعاء التحضر والمعاصرة.

النشاط العلمي يعتمد على عدة عناصر مثل توفر الدعم المادي والنمو الاقتصادي والحرية الفردية والاجتماعية والقدرة على الخلق والإبداع. بالإضافة للتأثيرات الفردية للحرية على الفكر الإنساني المبدع، فان الحرية الاجتماعية تدعم الاندماج العلمي عالميا وتساعد على التكامل العلمي ما بين الدول. أما علاقة الحرية بالإبداع فإنها ضرورة ملحة وتطمح المجتمعات المعاصرة على تربية أجيالها على الإبداع وعدم التقليد.

إن الكثير من المجتمعات العربية تعتبر من أغنى المجتمعات ذات الثروة الطبيعية، ورغم أن الجانب الاقتصادي واحد من عناصر النمو العلمي إلا انه ليس كافيا لخلق بيئة علمية منتجة.

قد يتمكن العرب من استجلاب المختبرات والأساتذة الأجانب وإنشاء مراكز البحوث و..، ولكن لن يتمكنوا من خلق بيئة علمية منتجة من دون حرية فكرية وتربية مدرسية تربي روح الإبداع وتخلق مجتمعا منفتحا.

طبيعة الموروث التقليدي للفرد ما تزال مناهضة للتحديث حتى لدى الكثير من العلميين. مثل هذه الظاهرة المحبطة غير موجودة في المجتمعات الصينية واليابانية.

بالإضافة للأمثلة التي يمكن استخلاصها من التقرير فان ظاهرة الارتباط ما بين الحرية والتطور تم تشخيصها في تطور العلوم عند العرب خلال الفترة مابين 700م-1000م، وكذلك تطور العلوم في الغرب بعد عام 1400م تقريبا.

النمو العلمي العربي البسيط، الذي ذكره التقرير، هو الآخر ناتج الحرية النسبية التي عاشها العرب بعد اندحار التسلط العثماني مطلع القرن العشرين وظهور المؤسسات الحديثة، ولكن التأثيرات الفكرية لفترة الانغلاق العثمانية ما تزال ذات سلطة اجتماعية هائلة تعيق الفكر الحر حتى الآن.

لقد تمكنت تركيا من الحد من تأثير الفكر العثماني المغلق، وهذا ما قادها إلى نمو قدره التقرير بـ5.47. رغم التقبل النسبي للمجتمعات العربية لهذه المؤسسات العلمية الغريبة، إلا أن هذه المجتمعات ما تزال غير قادرة على التعامل مع العلم ومؤسساته بكفاءة.

لقد جاء تسلسل النمو العلمي العربي في الشرق الأوسط خلال الثلاثين سنة الماضية كما يلي مع مؤشر النمو: عمان 3.29، الإمارات العربية المتحدة 2.7 (هناك عدة مؤسسات حديثة لدعم البحوث العلمية)، لبنان 1.88، الأردن 1.7، سورية 1.52، اليمن 1.31، قطر 1.22 (تأسست فيها عام 1995 مؤسسة قطر وهي مؤسسة راعية وداعمة للبحوث العلمية)، الكويت 1.06، مصر 1.0 (أقدم دولة عربية من مجال العمل العلمي)، البحرين 1.0، المملكة العربية السعودية 0.96، العراق 0.47 (تأثير الوضع السياسي).

معظم الناتج البحثي العربي عبارة عن أعمال أكاديمية يجريها طلبة البحوث لكون مؤسسات البحوث العربية تجربة حديثة في معظم الدول العربية. ومع زيادة الأكاديميات العربية تزداد البحوث. مثل هذا النمو البحثي والنمو في النشر العلمي لا يعني نموا مماثلا في الإنتاج الصناعي والتطبيقات لهذه البحوث، كما لم يصاحبه نمو اقتصادي ملازم للتطبيقات. إن هذا النمو لا يعدو كونه نموا منفصلا لا تأثير اجتماعيا له.

الدول العربية عموما تعاني من انفصال كبير ما بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية والصناعة لكون الصناعة مستوردة أساسا وليست ناتجا محليا. لذلك يبقى الإنجاز البحثي دائما معزولا وأكاديميا فقط ومن ثم لا قيمة محلية له.

* كاتب عراقي

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عتب على العرب (الدكتور المهندس موسى يعقوب)

    الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    منذ ست سنوات لم نفلح بالحصول على التراخيص لاستثمار الكهرباء المجانية و المفتوحة الاستطاعة بسوريا لذلك قد نتوجه الى السويد لاستثمار هذا النوع من الطاقات النظيفه و المجانية وهي استغلال الحقل الكهراطيسي للارض لمن يرغب بالاطلاع يرجى زيارة صفحة نور للطاقة البديله على الفيس بوك وشكرا لكم