أين نحن من هوية المدينة؟

تم نشره في الاثنين 5 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

عربياً، العلاقة بين الصحراء والمدن علاقة صراعية أو تزاحمية منذ أمد بعيد، فالعلامة ابن خلدون مثلا يعترف فقط بوجود ثنائية عربية حضارية واحدة وتتجلى في وصفه "أهل الوبر/الصحراويين، وأهل الحضر/ أهل المدن" أي أنه لا يشير إلى أهل الريف إطلاقا، ربما لكونهم أصحاب هوية حياتية تحمل مزيجا بين خصائص القطبين السابقين الصحراء والمدن، وبمعنى أوضح أن ليس لهم هوية حضارية وسلوكية حاسمة، أو ذات خصائص مميزة لهم كي نقول هوية الريفيين.

لذلك فإن أهل المدن، ينظرون إلى سكان المحافظات وجوارها وكأنهم ريفيون فقط، إذ ساهمت الدراما العربية والإعلام معا في تكريس مثل هذه النظرات المجتزأة "دول فلاحين..".

هذه النظرة تحمل شيئا من الدونية أو وسمهم بالتخلف. أما "الريفيون" ممن يقطنون خارج عمان فهم ينظرون بدورهم إلى معظم سلوكيات أهل عمان، اربد، الزرقاء بأنها غريبة عن طبائع الأردنيين المفترضة تاريخيا، سواء في موضوعات الأفراح أو الأتراح وطرق تعبيرهم عنها، وحتى في مواقفهم السياسية والمصلحية الهادئة أو المفاوضة في الحد الأدنى مع السلطات المختلفة في تلك المدن.

لا شك أن ارتفاع نسب التحضر في المجتمع الأردني عبر زيادة الهجرات البشرية من الصحراء تاريخيا (نسبة سكانها حاليا 5 % من سكان المملكة تقريبا) ومن البادية والأرياف تباعا نحو المدن التي تتصف بأنها الأكبر والأكثر تنوعا من حيث تركيبة سكانها وتنوع سبل العيش فيها مقارنة بسابقاتها.

ذلك كله ساهم بشكل واضح في زيادة التداخل الحضاري والسلوكي الهجين بين الريفي والمدني داخل مدننا الكبرى المتورمة جغرافيا وسكانيا، الأمر الذي أنجب ما يُعرف "بالتريف الحضري" داخل مدننا فكرا وسلوكا معيشين إلى الآن، وما استمرار العمل مثلا بالأعراف العشائرية المنافسة للقوانين المدنية المفترض أنها المحددة للحقوق والواجبات في مجتمعنا ذي النسب المرتفعة للمتعلمين فيه إلا دليل واضح على ما ذهب إليه هذا التحليل.

من الطبيعي أن تلمس، كباحث ومعايش للواقع المدروس هنا، أن بعض أنماط الحياة اليومية في أحياء من مدن ما زالت تمارس فيها أثناء مناسبات الأفراح والأتراح نفس الطقوس التي تمارس في كل من: الريف، أو البلدات التاريخية للأردنيين من مختلف منابتهم التاريخية، ولذلك بقيت الثقافات الفرعية لكل مكون سكاني أردني بالمعنى الدستوري هي الأصل والمنطلق، أي أن المدينة الأردنية كمصدر مهم مفترض للتنوع والصهر الحضاري لسكانها، تحت عنوان المواطنة المدنية، لم تقم بهذه الأدوار على أكمل وجه، ويمكن ملاحظة هذا من استمرار ضعف أدوار وحضور ما يُسمى (مجازاً!) بمؤسسات المجتمع المدني أمام فورة الانتخابات البلدية والنيابية بصورة متناوبة.

أما على الصعيد الاجتماعي في مدننا التي نُحب أيضا، فما زال قِطار العرس بسياراته الكثيرة بكل ما تشكله من أزمات وهدر اقتصادي كبيرين هو المطلوب اجتماعيا لدى العموم، وكأن أهل العريس يستقون ذهنيا بكثرة أعداد المشاركين في قطارهم كدلالة مفترضة على الأهمية وكبر المكانة المستندة إلى أعداد المشاركين ربما تماهيا مع "الكثرة التي تغلب الشجاعة"، وكأنها أي "الفاردة" الكبيرة نفسها، التي كانت تتحرك في البادية أو الريف، لكن من دون أن تثير أزمات سير وخطورات مصاحبة هناك.

المدن، ابتداءً، هن إناث ولسن الشوارع المنظمة أو المباني الشاهقة أو الإنارات الصماء رغم توفر ذلك في مدننا الكبرى. المدن تعني إنسانيا أيضا؛ التنوع والقوة على أُسس من العلم والثروة الرقمية وفرص المنافسة العادلة للإنسان كإنسان يعتمد الضبط والقرار الذاتي تحت حماية القانون دائما.

إنها حرية الفرد في أن يصمت أو يصرخ أو أن يتنقل بحرية إلى حيث يجد ذاته الجَمعية مع آخرين انتقاهم بحرية أيضا، أو أن يعتصم بفكره الطوعي والوضعي/ غير المقدس غالبا من دون الارتداد إلى الجذور التاريخية التي انحدر منها، لأنها تمثل له النسب فقط، إنها رحابة الحياة التي تحقق فرص التنفس النقي والحر بكلتا رئتيه؟

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل عمان مدينة عصرية؟ (الفرد عصفور)

    الاثنين 5 تموز / يوليو 2010.
    يقال ان عمان جميلة، وهذا صحيح. ويقال ايضا ان عمان نظيفة وهذا اكيد. ويقال ايضا وايضا ان عمان يحبها الذي يزورها وهذا صحيح ايضا. اما ان تكون عمان مدينة؟ عمان في نظري ليست مدينة عصرية يفترض انها تعيش في العام الفين وعشرة.
    فهل يعقل ان يظل تخطيط الشوارع في العاصمة عشوائيا؟ هل يعقل ان تنظيم الشوارع يظل يعتمد على ميلان مياه الامطار؟ الا يعلم مهندسو الامانة والبلديات عن اختراع المسطرة التي يمكن ان تسهم في تخطيط شوارع مستقيمة وبالتالي قطع اراضي ذات زوايا قائمة؟
    هل يعقل ان تظل شوارع عمان في هذا الزمن خالية من خطوط المسارب التي توضح للسائقين اتجاهاتتهم ومساراتهم؟
    هل يعقل ان تظل عمان بدون نظام نقل عام يخدم السكان ويريح الهواء من الدخان الاسود المسرطن الذي يفتك بالمئات؟
    هل يجوز ان تظل اشارات المرور موزعة بشكل عشوائي وبدائي؟
    هل يجوز ان تظل هندسة المرور في امانة عمان مقصرة في ترتيب الارصفة او بنائها وكذلك مهملة في مداخل الدواوير والشوارع؟
    هل يجوز ان تظل عمان تتمدد بشكل عشوائي والخدمات تلاحق المواطنين؟
    بماذا تختلف عمان عن العشوائيات؟ لو اخذنا الشوارع. نجد شوارع عمان وفي كل مناطقها مع استثناءات نادرة ومعروف سبب تلك الاستثناءات، نجد تلك الشوارع غير قياسية في مقاساتها طولا وعرضا. بل متضاربة وليست نموذجية.
    نظرة واحدة على شوارع عمان عبر برنامج غوغل ايرث نكتشف هذا الامر بسهولة.
    لناخذ المباني والدور السكنية، نجد المباني منتشرة بصورة غير منطقية. نجد الفلل بجانب الاسكانات والصناعي بجانب السكني. والحكومي بجانب المطاعم والمدارس قرب الكراجات والمستشفيات قرب الاسواق. ومواقف الحافلات قرب المقابر وهكذا.
    معظم شوارع عمان بدون ارصفة وان كان هناك ارصفة فهي مثيرة للضحك او لنقل مثيرة للسخط: هل يعقل ان يكون في بعض المناطق ارصفة بعرض خمسة امتار وفي مناطق اخرى لا يزيد عرض الرصيف عن متر واحد؟ نرى الارصفة العجيبة التي قام اصحاب البيوت المجاورة لها بزراعتها ومنعها عن المشاة. بعضهم قام بتسييج الارصفة بحديد الحماية. بعضهم زرع الارصفة بالزيتون والاشجار المثمرة.
    اما المطبات فهي ايضا عشوائية ومؤذية للمركبات وموزعة بدون اي مبررات، وليس مطلية بلون لا فسفوري ولا حتى دهان عادي لاثارة انتباه السواقين الذين يفاجئون بها. وكذلك الجزر الوسطية معظمها مزروع بطريقة تحجب الرؤيا وتسبب الحوادث.
    توزيع الشوارع في عمان امر مضحك ايضا. تجد منطقة اسكانات عرض الشارع فيها لا يتجاوز اثني عشر مترا ومنطقة اخرى تجد فيها شارعا بعرض عشرين مترا واحيانا ثلاثين مترا.

    نحن نحب عمان ولا يمكن الا ان نتمنى رؤيتها مدينة عصرية بكل معاني الكلمة ولكن في الوقت نفسه يجب التحديق في النواقص والثغرات للنهض بالمدينة وتكون حقا مدينة عصرية.