تعاف اقتصادي بلا فرص عمل جديدة، وسياسات مهووسة

تم نشره في السبت 12 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

إن السياسات النقدية والمالية التي تبنتها الولايات المتحدة، سواء في الركود الأخير أو في ركود عام 2001، كانت من بين أكثر السياسات مرونة في العالم الصناعي.
و يعمل الكونجرس الأميركي على دراسة مشروع قانون آخر خاص "بالوظائف".د والواقع أن جون تيلور من جامعة ستانفورد يعزو الأزمة المالية الأخيرة إلى السياسة النقدية المفرطة التحفيز التي تم تبنيها مع اقتراب نهاية ولاية ألان جرينسبان كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة.

ولكن ما السبب وراء مرونة سياسة الولايات المتحدة البالغة في هذا السياق؟ من بين الأسباب الرئيسية أن طبيعة التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة قد تغيرت. فمنذ عام 1960 وحتى عام 1991 كان التعافي في الولايات المتحدة سريعاً عادة. فمن أدنى نقطة في الركود كان التعافي إلى المستويات التي كان عليها الناتج في مرحلة ما قبل الركود يستغرق أقل من ربعين من السنة في المتوسط، وكانت مستويات تشغيل العمالة تتعافى في غضون ثمانية أشهر.

ولكن التعافي من الركود في عام 1991 ثم في عام 2001 كان مختلفاً. فعلى سبيل المثال، في عام 2001 استغرق تعافي الناتج ربعاً واحداً من السنة، ولكن عودة الوظائف استغرقت 38 شهراً. ويبدو أن التعافي الحالي بطيء في خلق فرص العمل على نحو مشابه.

ويزعم بعض خبراء الاقتصاد أنه على النقيض من فترات التعافي السابقة، حين أعيد تعيين العمال الذين تم الاستغناء عنهم مؤقتاً، فإن خسارة الوظائف بداية من عام 1991 كانت أكثر دواماً. وكان على العمال العاطلين أن يبحثوا عن وظائف في صناعات جديدة، وهو ما كان يتطلب المزيد من الوقت والتدريب.

ويشير آخرون إلى أن شبكة الإنترنت كانت سببا في تيسير توظيف العمال بسرعة. لذا فبدلاً من مسارعة الشركات إلى توظيف العمالة في ذعر عند أول علامات التعافي خشية ألا تتمكن من ذلك في وقت لاحق فتخسر المبيعات، أصبحت الشركات تفضل التيقن أولاً من أن التعافي متين قبل إضافة المزيد من العمالة.

وبغض النظر عن التفسير الحقيقي للأمر فإن الولايات المتحدة غير مستعدة على نحو استثنائي للتعافي من دون خلق وظائف جديدة. فعادة لا تدوم إعانات البطالة لأكثر من ستة أشهر. فضلاً عن ذلك، ولأن استحقاقات الرعاية الصحية ترتبط في كثير من الأحيان بالوظائف، فإن العامل العاطل يجازف أيضاً بفقدان القدرة على الحصول على الرعاية الصحية بأسعار معقولة.

ولعل الإعانات قصيرة الأجل كانت مناسبة حين كان التعافي يأتي سريعا وفي ظل وفرة من فرص العمل، وذلك لأن الخوف من خسارة الإعانات قبل الحصول على عمل ربما أعطى العمال الحافز للبحث عن عمل بشكل أكثر جدية. ولكن مع خلق عدد قليل من الوظائف، تحول الحافز الإيجابي إلى مصدر عظيم للقلق والانزعاج. وحتى هؤلاء الذين لديهم وظائف يخشون أن يخسروا وظائفهم وينبذوا في العراء.

ويتجاهل الساسة هذا القلق الشعبي مجازفين بشعبيتهم. فمن المعتقد على نطاق واسع أن الرئيس جورج بوش الأب خسر محاولة إعادة انتخابه، على الرغم من النصر الذي حققه في حرب العراق التي حظيت بشعبية كبيرة آنذاك، لأنه بدا وكأنه على غير اتصال بالمصاعب التي أعقبت الركود في عام 1991. ولقد استوعب الساسة هذا الدرس استيعاباً كاملا. إن التعافي الاقتصادي يدور بالكامل حول خلق الوظائف وليس الناتج، ولقد بات الساسة على استعداد لدفع الحوافز الاقتصادية، سواء المالية (خفض الضرائب أو الإنفاق الحكومي) أو النقدية (خفض أسعار الفائدة القصيرة الأجل)، إلى أن تبدأ الوظائف في الظهور من جديد.

ومن الناحية النظرية فإن هذا هو محور الديمقراطية ـ الاستجابة السياسية لاحتياجات الناس. أما في الممارسة العملية فإن الضغوط الشعبية التي تطالب الساسة بالقيام بأي عمل سريع لمعالجة الأمور، تمكنهم من تجاهل الضوابط والموازنات التي تفرض على عملية اتخاذ القرار في الحكومة عادة.

وفي هذه الحالة يتم تحديد حجم الإنفاق في الأمد البعيد والسياسات الضريبية طويلة الأجل في ظل حالة من الطوارئ، حيث يصبح بوسع الحزب الذي تصادف وجوده في السلطة في وقت الانحدار الاقتصادي أن يحاول تنفيذ أجندته المفضلة. لذا فإن الكثير مما يتم تفعيله من حوافز لا يخلف إلا أثراً مباشراً طفيفاً على عملية خلق الوظائف، ولكنه يحمل في طياته تأثيراً معاكساً طويل الأجل فيما يتصل بالتمويل الحكومي. على سبيل المثال، كرست حزمة الحوافز التي أقرتها إدارة أوباما في عام 2009 عدة بلايين من الدولارات لأبحاث السرطان، رغم أن مثل هذه الأبحاث لا توظف إلا أقل القليل من الناس بشكل مباشر ويستغرق الإنفاق عليها زمناً طويلا، إلى ما هو أبعد حتى من التعافي المطول.

ولا يقل عن ذلك إضرارا بالصحة الاقتصادية تلك الموضة الأخيرة المتمثلة في خفض أسعار الفائدة إلى الصفر تقريبا والإبقاء عليها عند ذلك المستوى لفترة طويلة. فمن غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت أسعار الفائدة القصيرة الأجل الأقرب إلى الصفر (مقارنة بأسعار الفائدة المنخفضة فحسب) قد تخلف أثراً إضافيا فيما يتصل بتشجيع الشركات على خلق الوظائف في حين تجعلها العوامل الاقتصادية القوية غير راغبة في توظيف العمالة. ولكن تبني أسعار فائدة قريبة من الصفر لمدة طويلة من شأنه أن يعزز أنشطة من النوع الخطأ.

على سبيل المثال، تسعى الأسر الأميركية ومديرو الاستثمار غير الراغبين في الاحتفاظ بالمال في صناديق أسواق المال الآمنة إلى الاستثمار في الأوراق المالية التي تستحق بعد آجال طويلة والتي تشكل مجازفة ائتمانية عالية، ما دامت تعرض عائدا إضافيا. وعلى نحو مماثل فإن الأموال التي تفر من أسعار الفائدة المنخفضة في الولايات المتحدة (وفي البلدان الصناعية عموما) كانت سبباً في دفع أسعار الأسهم والعقارات إلى الارتفاع في الأسواق الناشئة، الأمر الذي جهز هذه الأسواق للهبوط (كما شهدنا مؤخراً مع الفرار إلى الأمان في أعقاب الاضطرابات المالية في أوروبا).

فضلاً عن ذلك فحتى لو كانت الشركات في الولايات المتحدة محجمة عن توظيف العمالة، فهناك شركات في أماكن أخرى تسعى إلى توظيف العمالة. فمعدلات البطالة في البرازيل على سبيل المثال أصبحت عند مستويات منخفضة قياسية لم يسبق لها مثيل منذ عقود من الزمان. وإذا كان لبنك الاحتياطي الفيدرالي أن يتقبل مسؤولياته التي يفرضها عليه دوره باعتباره بنكا مركزياً للعالم، فيتعين عليه أن يعترف أولاً بأن أسعار الفائدة التي تتبناها سياساته لا تساعد في العودة إلى النمو العالمي المستقر.

ومن الممكن أن تظل السياسات على قدر كبير من المرونة إذا تبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار فائدة منخفضة بدلاً من أسعار الفائدة القريبة من الصفر التي كانت مناسبة في وقت الذعر. وهذا من شأنه أن يعطي المدخرين قدراً أقل من الحوافز للبحث عن العائد، وبالتالي تجنب عدم الاستقرار المالي.

غير أن الساسة لن يلتزموا الصمت إذا حاول بنك الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة. ذلك أن تفكيرهم ـ وتفكير بنك الاحتياطي الفيدرالي ـ يتبع حسابات مضللة مفادها أن أسعار الفائدة المنخفضة ما دامت مفيدة في خلق فرص العمل، فإن أسعار الفائدة البالغة الانخفاض لابد وأن تكون أفضل. إن الدراسات الناشئة حول تضخم أسعار الأصول والمخاطر المتولدة عن سياسات أسعار الفائدة البالغة الانخفاض من شأنها أن تقنع صناع القرار في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نهاية المطاف بتغيير مواقفهم. ولكن إذا كان للساسة أن يصبحوا أقل قلقا بشأن فرص العمل، فربما كان من الواجب علينا أن نبدأ في مناقشة ما إذا كان التعافي من دون توفر فرص العمل حقيقة واقعة وباقية، وما إذا كانت شبكة الأمان في الولايات المتحدة، المصممة للعمل في عصر مختلف، في حاجة إلى التعديل.

* كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقاً، وأستاذ العلوم المالية بجامعة شيكاغو، ومؤلف كتاب "خطوط الصدع: كيف لا تزال الكسور المستترة تهدد الاقتصاد العالمي".

خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت، 2010.

التعليق