قبل أن تبدأ مرحلة جديدة: "على صدوركم باقون"

تم نشره في الثلاثاء 8 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

لم يكن العراك الذي شهدته جلسة الكنيست الإسرائيلي، يوم الاربعاء من الأسبوع الماضي، بين نواب الكتل الوطنية الثلاث الناشطة بين فلسطينيي 48، وبين نواب الأحزاب الصهيونية والأصولية اليهودية، مجرد حدث عابر، وشكل الهجوم ومحاولات الاعتداء الجسدي على النائبة حنين الزعبي، كان مؤشرا واضحا لحقيقة المرحلة الجديدة، من مراحل التصعيد العنصري المتواصل في الشارع الإسرائيلي.

هناك إجماع على أن هذا المشهد غير مسبوق في تاريخ الكنيست من حيث طابع الهجوم الجماعي من نواب الأحزاب الصهيونية، ففي الماضي وقعت مثل هذه الصدامات، لكن ليس بهذه الحدة.

ما جرى هو امتداد للأجواء العنصرية المستشرسة في الشارع، في أعقاب مجزرة أسطول الحرية. فإسرائيل، سارعت إلى تعبئة الرأي العام لديها لمساندة الجريمة، وسعت إلى هذه الأجواء، حتى تلك التي جرت في الكنيست، فحقيقة أنه لم تكن ضجة بالقدر الطبيعي في أعقاب ما جرى، ولم نر رئاسة الكنيست تعلن عن تحقيق وبحث لاستخلاص العبر، يعكس مدى الإجماع الصهيوني على هذا الحقد العنصري.

من غير الممكن القول إن ما جرى كان مفاجئا، لأن هذا امتداد للأجواء العنصرية المتصاعدة في الكنيست أولا، من حيث تصعيد الخطاب العنصري ضد العرب مباشرة، وحتى الدعوات لإعدام النواب العرب، أو من حيث سيل القوانين العنصرية التي تطرح على جدول أعمال الكنيست، والموحد بينها، هو تشريع السياسة العنصرية وتقييد حريات العمل السياسي، ووضع علامة سؤال على مجرد وجودنا في وطننا، ليكون مشروطا "بالولاء" لسياسة إسرائيل والحركة الصهيونية.

العنصرية لم تعد مجرد فكر ومبدأ، بل خشبة قفز لمن يسعى للوصول بسرعة إلى مقدمة الحلبة السياسية والارتقاء فيها، ومن تابع بدقة ما جرى في تلك الجلسة لاحظ الكثير من الحركات الغريبة، فأولا ما يجمع النواب المعتدين أنهم جميعا من نواب الصف الثاني وأبعد في سلم الارتقاء السياسي، وغالبيتهم وصلوا إلى الكنيست منذ عام، والباقي منذ الولاية السابقة.

كذلك بدا واضحا طابع التنافس في ما بينهم، فالصراخ والاندفاع نحو النواب العرب كان بشكل يضمن حضورهم أمام الكاميرات، ومن خلف هذا الكثير من الضحك والانبساط إلى حد تحويل الضجة إلى تسلية دامت أكثر من ساعتين!

إحدى النائبات من حزب "كديما" المعارض تتجه إلى النائب العنصري ميخائيل بن آري، من حركة "كاخ" الارهابية، لتسأله "ما بالك هدأت، لماذا لا تشارك"، فهي تعرف أنه كان عليه أن يكون في مقدمة الهجوم نظرا لانتمائه لحركة ارهابية، رغم أنه ادلى بدلوه كثيرا.

هذا أيضا سرى على ما جرى بعد الجلسة من اقتراحات قوانين، تارة لإبعاد الزعبي عن الكنيست، وتارة أخرى لسحب هويتها، على الرغم من علم المقترحين أن لا اساس قانونيا لمقترحاتهم، ولكن لا بأس إذا ضمن هذا حضورا لساعات في وسائل الإعلام.

وهذه حقيقة لا تخفف من حجم العنصرية، لا بل تزيد من خطورتها، لأن العنصرية لم تعد مجرد مبدأ بل خشبة قفز سياسية، فالعنصريون يعرفون أن عنصريتهم باتت بطاقة دخول إلى الحلبة السياسية، تتناغم مع الأجواء المتصاعدة في الشارع الإسرائيلي، التي تغذيها المؤسسة الإسرائيلية.

في وقت مضى كان نواب مثل "بن آري"، ومعلمه السابق الارهابي مئير كهانا يُعتبرون "نشازا" في الحلبة السياسية الإسرائيلية، لكنهم اليوم أصبحوا الجو العام، وفي مركزه أسماء مثل أفيغدور ليبرمان، أما النشاز فباتوا نواب حركة ميرتس (ثلاثة) ولربما أيضا عدد قليل جدا من بين النواب الآخرين، الذين وقفوا إلى جانب النواب العرب.

يوم الأربعاء 2 حزيران (يونيو) 2010، سيسجل كنقطة تصعيد أخطر في الكنيست الإسرائيلي، ولن يكون التصعيد الأخير، بل هو تمهيد لمرحلة جديدة، لكنهم يعلمون أن هذا أيضا لن ينفع، لأن فلسطينيي 48 اتقنوا على مر العقود الستة الماضية، كيف يطورون آليات المواجهة، ليبقى المبدأ العام هو الأساس: هنا على صدوركم باقون.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق