فلسطين "الاسم الحركي" لعاشقيها من البشر

تم نشره في الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

كعادتهما، واحات شهدائنا وذاكرتنا المتقدة من زيتون فلسطين لا تخطئان الجهات أو الأرقام، مثلما لا تأبه بكلفهما ما دامت حاجّة نحو الهدف. لذلك ها هي تزداد اخضرارا، بعد أن أضافت واحة جديدة إلى غابات نضالنا الطويل على طريق فلسطين الوحدة والحلم، وهي تقرأ من كتاب قلوبنا نصها المفتوح بالفعل على الاستمرار بقوله تعالى "كُتب عليكم القتال وهو كُره لكم..".

هذه الواحة من الشهداء ربما هي الأبلغ من سابقاتها تعبيرا وتوقيتا على طريق الشهادة الواحدة لفلسطين، في ظل هذا التراخي السياسي بأسمائه الذبلى: اتفاقيات، وقف إطلاق نار، حماس، فتح، مبادرات السلام واتفاقياته، الذكرى.. الخ.

لقد جاءت مشاريع الشهداء، وهم الداعمون والمشاركون في أسطول الحرية بكامل معانيها البليغة حد النضوج، بعد أن أفحمونا لاحقا، وبكل أشكال النبل، بأن حجيج العشاق الصادقين لفلسطين وغيرها من بلاد العُرب المحتلة لا يلزمهم التسلح بالاختلافات المذهبية أو السلطوية أو العرقية أو اللغوية أو الجنسية، أو حتى الجيلية.

كل ما يلزم عشاق فلسطين هو إيمانهم الإنساني الناجز بأن "الرغبة في التحرر جزء من التحرر نفسه". لذلك جاء الأحياء منهم عند ربهم، وهم الشهداء ليشيدوا واحتهم، التي سنبقى نعيش معانيها الضافية، بحُمرة الدماء الزكية، وليشبعوا أيامنا الظمأى بكل شيء حي.

من الماء وعلى الماء كان الملتقى الحاسم بين تصحر السياسة الرسمية فلسطينيا وعربيا، وبين نبض الحياء والحياة في غزة هاشم، فجاءت بلاغة الموقف الكفاحي للمشاركين شعبية صادقة، ووجدانية عميقة، هزت الراكد العربي سياسيا وعسكريا، لكنها جاءت كمبادرة إبداعية في النضال السلمي، كقمة توازي مبادرة القائد الهندي نهرو في ابتداعه الخلاق لمفهوم العصيان المدني المُطالب بالحقوق الإنسانية للشعوب أيضا.

كما جاءت هذه العملية النوعية عابرة لجغرافيا غزة أو فلسطين الواحدة نحو ما هو أممي وإنساني الفكرة والتشكل الأدوم أي حد الشهادة لحملة جنسيات متعددة. كيف لا تكون لافتة؟ ونحن أعجز إلى الآن أن نفسر بأدواتنا المعرفية والتفاوضية والكتابية الصمّاء منذ آماد، كيف وما هي المسوغات العلمية التي حدت بأن يشارك خمسون من حملة الجنسيات المختلفة في هذا العالم بهذه الرحلة "التاسعة" المبتكرة ضد العدو الصهيوني وداعميه في هذا العالم الأحادي حتى بانحيازه للعدوان، على الرغم من كثرة رياضاته اللغوية في ما يزعمون من "حقوق إنسان" ومواثيقها العالمية التي تتيبّس عندما يتعلق الأمر بالإنسان العربي المسلم من غير الرسميين.

أخيراً، هل التقطنا بلاغة النداء أو الإجراء الأوضح في حياتنا الراهنة والمُستنتج الذي أطلقه المشاركون عمليا في رحلة السلام، بأن إنسانية الإنسان والفلسطيني العربي المسلم هنا تحديدا، يجب أن تربط تبادليا في المواقف بين جميع البشر المضطهدين، إذ يُفترض ألا تتجزأ هذه المواقف الإنسانية المحرجة للساسة والسياسات العدوانية ضد الشعوب، بغض النظر عن الجغرافيا أو الدين واللغة أو المعتدي، ومهما كانت جنسيته وكثرة داعميه في عالم منحاز وغير منصف على الإطلاق، فأصبح ينظر قادته إلى الآخرين المسلوبة حقوقهم وأراضيهم بعين واحدة وهي المركزية الغربية، وفي قرنها الوحيد أيضا، لا بل وفي عينها، وبرئتيها الوحيدتين وهي أميركا، وعلى مرمى الوجع من تمثال حريتها في معانيه المفترضة إلى الآن.

مع ذلك، ها هي فلسطين وحقوق أهلنا فيها وكجزء من العالم النازع للتحرر تنهض من رماد يباسها السياسي.

فلسطين مستودع حركي للقيم والأديان البشرية الموحدة لنون إنسانيتنا، على الدوام، فهل نحن راغبون وعاملون شعبيا في آن؟.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (محمد عبدالوهاب)

    الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010.
    إبداع يا ابا مأب،
    في موضوع تكتب فيه دائما مبدع
  • »شكر للكاتب و ملاحظة (خالد السلايمة)

    الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010.
    أسعد الله صباحك اخي الكاتب,

    من كل قلبي أشكرك كفلسطيني و كأردني و كعربي و كمسلم و كإنسان على كلماتك و التي تنم عن روح وطنية و شعور غاية في العلو مع فلسطين.

    و لكن يا دكتور أمثالك ليسوا الأغلبية مع الأسف في يومنا هذا! لاحظ أن التقييم على مقالك الرائع و الجميل جيد فقط! مما يعني أن هناك النصف على الأقل قد قللوا من قيمة المقال و هذا يدلك على أنه في مجتمعنا من لا يحب أن يتكلم عن فلسطين بنفس الطريقة التي تحب أن تتكلم أنت عنها

    ليس غريبآ أن يخرج هذا المقال من أحد أفراد عزرا الكرام و من الكرك الأبية....أحد اعز أصدقائي هو الدكتور العظيم زياد محادين و أنا اعلم أنه يحب فلسطين كما احب أنا فلسطين....

    أشكرك من كل قلبي يا دكتور.....نحن في أشد الحاجة إلى أمثالك...بارك الله فيك.
  • »ll (حاتم البريكات)

    الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010.
    رفعوا ذائبية الاعراق والاديان والجغرافيا والمصالح في ماء الانسانية حتى اصبح محلولا لا يوجد فيه الا طعم الانسانية , نعم لقد وضعوا الانسانية امام بنادق الصهيانة و كشفوا عنهم كل شيء زائف ... رحلة السلام والحرية اكبر من كل شيء الا الانسانية
  • »great (musslem)

    الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010.
    فلسطين مستودع حركي للقيم والأديان البشرية الموحدة لنون إنسانيتنا، على الدوام، فهل نحن راغبون وعاملون شعبيا في آن؟.