نحّاتو الأدب الساخر في الأردن

تم نشره في الاثنين 31 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً


هل ثمة علاقة ما، بين من فكروا بنحت البتراء من أجدادنا الأنباط، وبين من يُغامر راهنا في مجتمعنا الصارم ليؤذن في الناس أن اهزموا قساوة أحوالكم في الابتسام؟

علاقة الأنباط مع الصحراء وحوافها جعلتهم ينجحون في التعامل مع الماء ككل شيء حي، فهل نجحت علاقة أدبائنا المغامرين بأجيالهم في إيقاظ ينابيع السخرية، وهي بالمناسبة في حياتنا أكثر عددا وحجما وغزارة ربما من عيون الماء لدى الأنباط من قبل؟

أعتقد من الصعب قياس نسبة نجاحهم ابتداء. صحيح أنهم منسلخون، طبقياً ومفاهيم، عن كشرتنا البليغة كصحرائنا وطبيعة جبالنا المنطلقة مع أنفاسنا صوب حتى آخر مدى يمكن ملاحظته عبر أصوات جهورية حادة أثناء حديثنا العفوي حتى في تخاطبنا عبر الهواتف الخلوية ذات الخصوصية المفترضة.

نحن زاهدون في التصريح بمشاعرنا العلنية للآخرين، ربما كرد فعل ضمني منا على استمرار بُخل جغرافيتنا في الكرم علينا سواء في الإعلاميين والسياسيين الساخرين، وهم الذين يتصدرون المسرح اليومي المرئي نيابة عنا بالمعنى الحياتي، مثلما هو بخل الطبيعة المستمر بغياب النفط أو الزيت الصخري أو الحديد عن حياتنا..

لا أريد أن أقول الماء كي لا يُفهم من حديثي أنني قد أغفلت الإجماع الأردني الوحيد، وهو نادر تأريخيا، بأن ماء العقبة، على الرغم من أنها خاصة الآن، هو ثغرنا الباسم الذي لم نصل به ومعه حد الضحك أو حدود السخرية، فبقي فرحنا ناقصا للأسف.

للإنصاف أعلامنا الساخرون والألمعيون يعانون من ثقل جذورهم الاجتماعية الموغلة في الجدة أصلا، لأنهم نتاج هذا المجتمع وإن تقدموا على سائده بخصوص السخرية والضحك كضرورة في حياتنا، مثلما ينافحون وبكل مهارة عن رسائلهم الإبداعية المتنوعة محليا وعربيا، قائلين بوسعنا، كتابا وقراء مخلصين كأجيال، أن نقلل من غموض السياسة والسياسيين كمنافسين أشداء للأدباء الساخرين، هؤلاء السياسيون الذين أضافوا مصدرا لعدم ضحكنا على مسرح حياتنا المطلبية والحوارية، كي لا أقول الانتخابية عادةً، مستندا بهذا الاستنتاج على كثرة ما اشتكت منهم عائلة "الشفافية ومشتقاتها غير النفطية" جراء سوء استخدامهم لمفرداتها المصاحبة كالنزاهة وتكافؤ الفرص، الناس متساوون.. إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه العائلة (الشفافية ومشتقاتها) مهددة بالنضوب من قاموس ثقتنا الفطرية، كمواطنين من أصل إنساني عُولِم.

أخيرا، أجتهدُ، كمواطن، نيابة عن الحكومة المفوهة والبليغة في الإعلام قائلا "من الصعوبة بمكان في مثل هذا الوقت العصيب اقتصاديا وحواريا صادقا "كالعادة" أن نلبي طلب المواطنين الساخرين المتضمن تشييد محمية أردنية فريدة، تحُشر فيها سواسن الأردن من الساخرين، ليس بالمعنى الديني، كالتالي: روح المبدع الفنتازي محمد طمليه لحين توالدها، أو في الأقل نجاحنا باستنساخها، وأحمد حسن الزعبي هو و(سواليفه) و(ممعوطيه) المعنويين والإلكترونيين على ألا نكون نحن ولا ضير أن نكون.

أما يوسف غيشان فنيله العضوية الكاملة في المحمية المرتجاة مشروط بتوقفه عن سبغ شيبه الفاضح بتجاربه علينا أولا، وأن يوقف بذات الوقت العبث بمؤخرة أشيائنا، كما هي عادته الحميدة تلك، على أن يعتذر عن خطئه القاتل بأن" ترك الحمار وحيدا"، ما أفضى إلى بقائنا موقعيا حيث نحن الآن.

أما التنفيسي المزعج، كامل نصيرات، فليس له مثل الذي عليه، أليس مواطنا في المحصلة؟ لذلك عليه أن يخفف من ريح كتابته الطيب، وأن يكف عن الإيحاء أمام المغرضين القائلين بأن سمنته اللافتة تمثل الأردنيين، وابتسامته المتمردة كبشرته على قسمات عمان/ والمحافظات التي غدت نحيلة بعد نجاح أعمال الرجيم التي قِيدت، وزعمه الكتابي أن كل المواطنين بصحة وخير ولا ينقصهم سوى التنفيس كي يسترزق على هكذا أخطاء مفترضة.

أما الساخرة هند خليفات فيكفي استمرارها بعدم لف الدوالي، كما اعترفت، ولعل الوفاء يقتضي مني الوشاية باسم الساخر احمد أبو خليل هو "ومستوريه" الذين تكاثروا بدورهم هذه الأيام وهم يتقافزون في جنبات مجتمعنا النازع نحو تطوير من "بِلا حظّ" إلى "الأقل حظّا"، ومن يشكك في هذا الاستنتاج ليفسر لنا في المحمية لماذا انتشرت ثقافة اليانصيبات الخيرية والسياسية والاثارية في مجتمع بوسعنا جعله محميمة نوعية بالمواطنة والرشادة والترشيد في استهلاكنا المظهري لكل شيء باستثناء مورد الضحك النادر لدينا أصلاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نقاش (حاتم البريكات)

    الاثنين 31 أيار / مايو 2010.
    لا ابالغ ان ما يقوله المهموم بالابداع د حسين محادين هو محاولات ناجحة لترجيح كفة العقل ولابداع على اي عقلية اخرى "لاننا جربنا العقليات الاخرى " نعم يتكاتف المبدعون والساخرون كالجسد لانهم بتراءنا المتنقلة بين صفحات الجرائد والمواقع , نعم السخرية مفتاح الفرج في هذه الظروف فيجب ان نحمي الساخرين ونشكر كل من يؤيدهم ... مليون رائع
  • »شكر (د.طارق المجالي)

    الاثنين 31 أيار / مايو 2010.
    مبدع دائما أيها الجميل في ليل الاحباط واليأس
  • »رائع انت يا دكتور محادين (نبيل الحامد)

    الاثنين 31 أيار / مايو 2010.
    تتحدث بلغةتخاطب فيهاجمهوريحترم ماتقول كم أتمنى لك التقدم.
  • »الأدب في السخرية (أ.د.خليل الرفوع)

    الاثنين 31 أيار / مايو 2010.
    شكرا لصديقي الدكتور حسين محادين على هذا المقال المعبر ، نعم أقرأ لبعض هؤلاء الكتاب تلك المقالات المعبرة عن هم الشعب الأردني الذي بات بحاجة للابتسامة في ضوء الظروف الاقتصادية الشديدة ، ولكن ما يلفتني إضافة إلى ذلك هو ذلك الحس الأدبي ، والصور الفنية ذات الإيحاءت الأدبية ، ولعل مقالات أحمد الزعبي خير ما يُستشهد به، سلمت أخي أبا مآب ودمت كاتبا وأديبا