"دفاع مدني" عنصري

تم نشره في الجمعة 28 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

بذلت إسرائيل الرسمية جهودا إعلامية كثيرة، في الأيام الأخيرة، كي توضح أن المناورات الداخلية، التي أجرتها هذا الأسبوع، لغرض فحص جاهزية "الدفاع المدني" في "الجبهة الداخلية"، في حال اندلاع حرب وسقوط صواريخ مكثفة على المناطق الداخلية.

وقد يكون حقا أن هذه المناورات لغرض "الدفاع المدني"، لأن إسرائيل لا تخفي مناوراتها العسكرية، فهي عادة تستثمرها في اطار مشاهد العربدة في المنطقة، ومن أجل رفع معنويات المجتمع اليهودي لديها، الذي يعيش في ثكنة عسكرية من حيث الإجراءات الأمنية المكثفة في جميع جوانب الحياة، في إطار مساعي المؤسسة الرسمية أيضا لإبقاء حالة الخوف والترهيب في الشارع الإسرائيلي، فأجواء كهذه تبرر أمام الإسرائيليين سياسة الحرب والاحتلال والحصار والقمع، وحتى أنها تبرر السياسة الاقتصادية الشرسة، الموجهة بالأساس ضد الشرائح الفقيرة والضعيفة.

ولكن كما هو الحال في ميادين أخرى، فإن هذه المناورات تكشف عن وجه عنصري آخر لسياسة التمييز العنصري التي تتبعها إسرائيل منذ 62 عاما، وهذا ما تثبته المعطيات، التي وردت في الأيام الأخيرة، حول مدى جاهزية بلدات فلسطينيي 48، إذ يتبين أن 70 % من هذه البلدات لا توجد فيها ملاجئ عامة، سوى بعض الملاجئ البيتية الخاصة، التي بنيت في البيوت الجديدة في السنوات الأخيرة بموجب قانون جديد، وهذا خلافا للبلدات اليهودية التي تنتشر فيها الملاجئ العامة بشكل مكثف في الشوارع والأحياء السكنية.

كذلك يتبين من المعطيات، أن
57 % من البلدات العربية محرومة كليا من مراكز الإسعاف الأولى، وفي الغالبية الساحقة جدا من أصل 43 % من البلدات فإن مراكز الإسعاف الأولى فيها هي بملكية خاصة وليست تابعة للمؤسسة الرسمية، أضف إلى هذا، أنه لا توجد في أي من المدن العربية مستشفيات، باستثناء مدينة الناصرة، التي فيها ثلاثة مستشفيات أهلية.

هذه معطيات ليست جديدة بل معروفة وملموسة، بشكل خاص منذ العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006، حين ظهر واضحا أن البلدات العربية في الشمال ليست حصينة أو مُحيّدة من القصف الصاروخي، فقد سقط في تلك الحرب 17 مواطنا من فلسطينيي 48، من أصل 42 مدنيا، بينهم اثنان من مدينة الناصرة، كونها أقصى نقطة جنوبية سقطت فيها الصواريخ، واثنان أو ثلاثة في مدينة حيفا، والباقي من بلدات تقع في المنطقة الشمالية واقرب للحدود مع لبنان.

ورغم مرور أربع سنوات على تلك الحرب، إلا أن السلطات الإسرائيلية التي رصدت عشرات ملايين الدولارات للبلدات اليهودية في الشمال، في إطار التحصينات الداخلية، فإنها لم توظف ميزانيات ضرورية في البلدات العربية، ما يعكس أكثر العقلية العنصرية التي تسيطر على المؤسسة الإسرائيلية منذ نشأتها.

وجانب سياسي آخر لهذه المناورات نجده في مخطط نقل أكثر من نصف مليون إسرائيلي إلى مستوطنات منطقة نابلس، القريبة من منطقة تل أبيب، في حال تعرضت هذه المنطقة لسقوط صواريخ، وليس من المستبعد أن يتم نقل هؤلاء من المنطقة الشمالية، وبكل وضوح يقول رئيس مجلس مستوطنات منطقة نابلس، إنه يعتبر هذه المنطقة أكثر أمانا، بسبب التواجد الكثيف للبلدات الفلسطينية، التي برأيه ستكون مُحيّدة.

ونحن هنا أمام أكثر من مجرد مخطط "وقائي"، والهدف منه أيضا رفع مكانة المستوطنات في الرأي العام الإسرائيلي، فعلى الرغم من تنامي الأجواء العنصرية وسيطرة اليمين العنصري على غالبية مقاعد الكنيست (البرلمان)، إلا أنه ما يزال هناك انطباع لدى أوساط واسعة في الشارع الإسرائيلي بأن هذه المستوطنات والمستوطنين يتطورون وينمون على حساب الصرف العام على قضايا مدنية أخرى من تعليم وصحة ورفاه اجتماعي وتطوير.

إسرائيل ختمت مناورة "الدفاع المدني" واسعة النطاق للسنة الرابعة على التوالي، ولكن ما هو واضح أن هذه مناورة لضمان "أمن اليهود" فقط، إنها مناورات عنصرية على شكل العقلية الإسرائيلية.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق