د.أحمد جميل عزم

"انت وضميرك.. من بيت لبيت"

تم نشره في السبت 22 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

عندما بدأ سامي عمله في ورشة لتصليح العربات في "معاليه أدوميم " عام 2005 كان في المستوطنة 39 حضانة أطفال ومجمعات تجارية (مولات) وشوارع تحيطها الحدائق والنخيل، ويسكنها نحو 30 ألف مستوطن ومستوطنة. حقق سامي دخلا مقبولا، واشترى سيارة حديثة وأصبح من زبائن سوبرماركت "رامي ليفي " في المستوطنة، وبفضل تصريح دخوله المستوطنة بسيارته أصبح يصطحب أفراد العائلة والأصدقاء لشراء مستلزماتهم من السوبرماركت.

قريبه وفي محاولة لتجاوز محنة البطالة المستفحلة، اكتشف طريقة ساعدته في ظل رفض الإسرائيليين منحه تصريحا لدخول القدس أو المستوطنات. كان يعمل سابقا في "خراطة " المعادن. صاحب العمل السابق اليهودي الذي يسكن معاليه أدوميم، أحضر له مخرطة صغيرة وضعها في بيته وأصبح "رب العمل " يأتي له بالخامات وتفاصيل طلبيات الزئابن، يقابله لدقائق في سيارته في محيط قريته القريبة ويتبادلان البضائع والنقود.

لا توجد شائبة واحدة تمس وطنية سامي وابن عمه، ولكنهما وآخرين غيرهم تابعتُ قصصهم عن كثب، ولدي التفاصيل بالأسماء الحقيقية، وجدوا أنفسهم محاصرين من كل مكان، فقريتا العيزرية وأبو ديس القريبتان من المستوطنة، واللتان صودرت أراضيهما لبناء المستوطنة محاصرتان بالجدار من أكثر من جهة وبالمستوطنات، ويكاد لا يكون هناك منافذ لهما سوى شوارع تحكمها الحواجز العسكرية الإسرائيلية.

في حالة سامي (الذي صودرت سيارته مؤخرا بعد اكتشاف أنها مسروقة أصلا) وقريبه فإنّ جدّيهما هما من ملاك أراضي مستوطنة معاليه أدوميم التي يعملان مع من فيها بتصاريح خاصة أو ترتيبات معقدة. والمستوطنة نموذج لمستوطنات أخرى شبيهة، قامت لا لأسباب أيديولوجية وحسب، بل سياسية وأمنية أيضا، فالمستوطنة تمتد من غور الأردن شرقا ومن المخطط أن تتصل بالقدس غربا، وبالتالي تقطع شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتمنع تواصلها الجغرافي.

لا يوجد تشويه لنفس الإنسان أكثر من أن يسعى لتصريح ولإجراءات معقدة للعمل لدى اللص القادم من خلف البحار، ليسرق ويصادر أرضه ويسكنها، كما هو حال معاليه أدوميم، وليرى كل يوم الفلل وبرك السباحة والملاعب التي بنيت على أرض عائلته، وهو يبحث عن سبل لبناء غرفة هنا أو هناك، بشكل عشوائي فوق بيوت أهله القديمة ليتزوج فيها.تقول "واشنطن بوست " إنّ 17 منشأة ومصنعا في المستوطنة وحدها أغلقت، ومنشآت عدة تتوقع الإغلاق قريبا، والسبب هو حملة المقاطعة الأخيرة، التي تجري تحت عنوان "أنت وضميرك... من بيت لبيت "، ويسهم فيها آلاف الشباب المتطوعين للقضاء على أي تعامل اقتصادي مع المستوطنات. وهنا لا بد أن نذكر أنّ نسبة النمو في عدد سكان المستوطنات في السنوات الماضية هو نحو خمسة إلى ستة أضعاف نسبة النمو في فلسطين المحتلة عام 1948، (نحو 5 % للمستوطنات مقابل نحو 1.8 % في "إسرائيل ") والسبب في ذلك الدعم الحكومي الاقتصادي الكبير، ولأن منع العمال العرب من العمل خلف "الخط الأخضر " جعل كثيرا من المنشآت الصهيونية تأتي للمستوطنات قرب العمالة مستفيدة من الإعفاءات الضريبية.

لست واثقا بدقة هذه الأنباء، لكنها إن صدقت تؤكد أنّ سوق الضفة الغربية أساسي للمستوطنات. ومن شبه المؤكد أن مقاطعة العمال العرب للمستوطنات سيوجه ضربة لاقتصادها ولوجودها.

إذا تمثلنا شعار حملة المقاطعة "أنت وضميرك "، يجب أن نعترف بأهمية الحملة، باعتبارها واحدة من أدوات المقاومة إلى جانب أدوات أخرى على طريق الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين اقتصاديا وحياتيّا، وهي رد مؤثّر على أكاذيب بنيامين نتنياهو عن "السلام الاقتصادي "، ويجب أن يؤدي تحكيم ضميرنا (خارج فلسطين) لنعود لا للمقاطعة الفاعلة للشركات والمصانع العالمية التي تتعامل مع إسرائيل، ولكن أيضا لتعزيز تجارب الصناعة العربية.

ahmed.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لازم نشارك (مروان القاضي)

    السبت 22 أيار / مايو 2010.
    ونحن أيضا من الضروري لنا أن نشارك في هذه الحملة عبر مقاطعة البضائع الصهيونية في بلدنا العزيز تحت نفس الشعار... فأنا والحمد لله مقاطع للبضائع الصهيونية منذ سنتين تقريبا وما زلت على قيد الحياة
  • »المقاطعه (رشاد الصاحب)

    السبت 22 أيار / مايو 2010.
    الاخ احمد مقالك رائع وصدقني ان المقاطعه سلاح قوي لكن الاقوى من ذلك ايماننا باننا نستطيع ان نوجع الاقتصاد الاسرائيلي وان يكون الناس كلهم مع المقاطعه وحتى الحمله الموجهه لمقاطعة الخضروات الاسرائيليه بدأت تؤتي مفعولها وكلنا شاهدنا المقاطعه على المنتوجات الدنماركيه احتجاجا على الرسومات المسيئه لرسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)كيف اوجعت الدنماركيين مع تحياتنا لاهلنا الصامدين والمرابطين على ثرى فلسطين .
  • »دعم صمود أهلنا في الضفة (عمر أبو رصاع)

    السبت 22 أيار / مايو 2010.
    عزيزي الدكتور أحمد
    أسعد الله صباحك
    نضال الأخوة في الضفة الغربية موصول منذ عقود، وهم قادرين في كل صباح على ابداع وسائل جديدة واعطاء المزيد من دروس المقاومة، يبقى ماذا نفعل نحن في الخارج؟
    وهذا ما حمل المفتاح إليه آخر مقالك هذا، ضميرنا خارج فلسطين!
    ولا يقتصر الأمر هنا على المقاطعة الفاعلة للشركات والمصانع العالمية التي تتعامل مع اسرائيل، بل يتجاوزه إلى دعم صمود أهلنا في الضفة من خلال تمويل الاقتصاد الفلسطيني هناك، مطلوب بقوة تمويل الانتاج الفلسطيني وتسويقه أيضاً، وايجاد فرص بديلة للعمالة الفلسطينية.
    مطلوب أيضاً اعادة فتح اسواق العمل العربية للعمالة الفلسطينية الحبيسة في الضفة لتمويل صمود ابناء الضفة الاقتصادي في وجه الاحتلال ومغرياته، مطلوب تجاوز الحسابات الشخصية والضيقة لحساب الواجبات القومية الملحة.
    تقبل التقدير
  • »هذا الكلام الصحيح و نريد المزيد (خالد السلايمة)

    السبت 22 أيار / مايو 2010.
    أسعد الله صباحك الجميل أخي العزيز أحمد

    منذ أن سمعنا بهذه الحملة و أنا بإنتظار مقالك عن الموضوع

    في ظل عدم حصولنا على السلاح و عدم قدرتنا على مقاومة إسرائيل عسكريآ في الوقت الراهن, يبقى موضوع مقاطعة إسرائيل من أهم الأسلحة التي في جعبتنا. الحملة الأخيرة و إن كانت هامة جدآ و بدأ تأثيرها يظهر على المستوطنات, إلا إنني أطالب و أناشد الأهل و السلطة بالعمل على فصل الإقتصاد الفلسطيني بالكامل عن إسرائيل. نريد أن يكون لنا بنك مركزي و يعود لنا الدينار الفلسطيني بدلآ من أن نتعامل بالشيكل المقيت. إسرائيل تعمل لتكون نمرآ إقتصاديآ يريد أن يبتلع المنطقة بالكامل و الوقوف بوجه هذا المخطط فيه مقتل لإسرائيل.

    جانب هام و أثر إيجابي لمقاطعة المنتجات من إسرائيل و خصوصآ المستوطنات هو رفع للحس الوطني الفلسطيني داخل فلسطين و إعادة عنونة العدو بأنه عدو. كلنا نعرف أنه عدو و لكن هذه الحملة تعيد "الدمغة" على هذا العدو بأنك عدوي إلى يوم الدين.

    الموضوع الآخر و هو ذي صلة بالمقاطعة يتعلق بالجوانب الحياتية الأخرى و أهمها الطب. حين عدت من الولايات المتحدة كانت السلطة في زمن أبو عمار رحمه الله تبعث مرضاها للأردن للعلاج و خصوصآ حالات القلب للكبار و للصغار. و مع أن السلطة كانت تتأخر بدفع المستحقات عليها إلا أن الجميع كان يصبر و ذلك لمعرفتنا بظروف السلطة أثناء الإنتفاضة الثانية و الحصار الدولي على أبو عمار. و لكن الآن و منذ عدة سنوات تقوم السلطة ببعث المرضى و مع الأسف لإسرائيل. علينا مقاطعة إسرائيل طبيآ. يوم الخميس أجريت إغلاق فتحة بين الأذينين بالشبكة عن طريق القسطرة لطفل من قلقيلية. و كان والد الطفل يقول لي ليل نهار أنه يثق بي! و طفل آخر جاءني من الخليل بحاجة إلى عمل جراحي لفتحة بالقلب و أخبرته أنه يمكن عملها في عمان و بنسبة نجاح عالية. لماذا نبعث مرضانا عند إسرائيل؟! و الله يا جماعة أننا لا نشكو من قلة شغل, فالمرضى العرب يملؤن المستشفيات و لكن من المعيب في حقنا أن يذهب أبناؤنا و بناتنا إلى إسرائيل للعلاج مع العلم أننا نستطيع أن نقوم بنفس العمل. و والله لو تأخرت السلطة عن دفع المستحقات عشر سنوات فإننا جميعآ لن نكون منزعجين.

    على إسرائيل أن تشعر بإستمرار أنها معزولة من محيطها و أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل هم خط الدفاع الأول و نحن في الأردن السند و الداعم لهم.

    مقال جميل كالعادة يا أبو عمر.
  • »افتقدنا مثل هذه المقالات (امجد ابوعوض)

    السبت 22 أيار / مايو 2010.
    منذ مده طويله لم نقرأ لك مقالا في غاية الاتقان , هذا مقال متقن بشكل كامل , نشكرك ,