هل هناك تناقض بين الهويتين الأردنية والفلسطينية؟

تم نشره في الخميس 13 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

 هل يوجد تناقض بين الهويتين الاردنية والفلسطينية؟ وهل يوجد فعلا اختلاف جوهري وحضاري بين الشعبين؟

لكم حاولت أن أدرس هذا الموضوع، فلم أر شيئا أكثر مما يمايز أبناء المحافظات أو أبناء القرى عن بعضهم، وكثيرا ما تكون الطبائع في كلتا المنطقتين أقرب الى بعضها من طبائع أهل المنطقة نفسها، فمثلا لو درست طبائع أهل بئر السبع وقبائلها لوجدتها أقرب إلى طبائع بني صخر والحويطات منها إلى طبائع أهل نابلس، ولوجدت مثلا أن طبائع أهل نابلس وجذور العديد من عائلاتها أكثر تشابكا وأقرب إلى طبائع أهل السلط والشام منها إلى طبائع أهل الخليل التي تجدها أقرب كثيرا الى طبائع وصفات اهل الكرك منها الى أهل رام الله مثلا، ولعل بعض أعرق العائلات المشتركة الاصول كالمجالي والتميمي خير دليل على ذلك، أما لو نظرت نحو الشمال فتكاد ترى العائلات نفسها في سورية والاردن وفلسطين وهي من أكبر العائلات في البلدان الثلاثة مثل الزعبية والحوراني وابو الهيجا.

وكثيرا ما نظرت الى زملائي الأقرب فلم أرَ شيئا ذا مغزى، فما هو الفارق الحضاري مثلا بيني وبين زميلي وأخي محمد الحباشنة وكيف يكون وجودي تهديدا لهويته، أو وجوده متناقضا مع هويتي.

لا أعتقد بوجود تناقض رئيسي وحقيقي بين الهوية الأردنية والفلسطينية بشكل خاص وبين كل العرب بشكل عام. الفرق بين الأردني والفلسطيني لا يزيد على الفروقات بين الأردنيين أنفسهم أو الفلسطينيين أنفسهم، حتى إنني لا أرى فعلا ضرورة عملية وحياتية بل وحتى أساسا فكريا للحديث عن هويتين منفصلتين، ناهيك عن متناقضتين.إذا نظرنا بعلمية وموضوعية وتاريخية، فإننا لن نجد شيئا ذا مغزى، أما إذا نظرنا بعين الفرقة وسوء النية والمصلحة الضيقة والمكتسبات الشخصية فإننا ربما سنكون قادرين على اختلاق فروقٍ تفصل حتى الشقيق عن شقيقه ابن أمه وأبيه.

هناك تناقض واحد فقط هو بين الأردنيين والفلسطينيين ومن خلفهم بقية العرب من جهة وبين الكيان الصهيوني في الجهة المقابلة، ولنتذكرأن هذه الكيانات والهويات لم توجد إلا بعد سايكس بيكو ووعد بلفور والانتداب.

ومن يراجع التاريخ أو يدرس الوثائق العثمانية "أعضاء مجلس المبعوثان مثلا" أو وثائق الدولة الفيصلية أو ألقاب رجالاتها، لن يجد أي شخص يطلق على نفسه أو يطلق عليه لقب أردني أو فلسطيني ، لم تستعمل أي من الكلمتين لتوصيف الأشخاص، كان الشخص ينتمي إما إلى بلدته أوعشيرته كأن يقال العجلوني أو النابلسي أو المجالي أو التميمي وهكذا.. لم تكن في كل الدولة العثمانية مقاطعة أو متصرفية باسم الأردن أو فلسطين.. فكانت القدس مثلا جزءا من دمشق وكانت نابلس جزءا من بيروت وهكذا. أما وصف أردني وفلسطيني فلم يستعمل إلا بعد الانتداب وسقوط الدولة العربية الفيصلية.

وأنا مثلا كأردني وفلسطيني في آن معا "نعم معا" لا أجد أية قيمة للهوية الفلسطينية خارج إطار تناقضها مع الكيان الصهيوني، لا أراها أبدا في سياق خلافي أو تفاضلي مع الهوية الأردنية أو السورية أو اللبنانية، فحين يكون الأمر مع أي شعب عربي فإن الأصل هو التماثل وليس التناقض.لقد بلغت من العمر عتيا وتجاوزت الخمسين، وخلال عمري شاركت في كل الحروب العربية الاسرائيلية، في حرب 67 شاركت وأنا فتى غض بحفر الخنادق ونقل المؤن وتوصيل الطعام للجنود الاردنيين المحتمين من القصف الجوي الاسرائيلي، وشاركت شابا فتيا في حرب 73 وشاركت مقاتلا في حرب 82 وساهمت في الانتفاضة الاولى والثانية.

لم اعتقد مرة واحدة طيلة تلك الأيام وحتى اليوم أن أصولي الفلسطينية تمنحني الحق في التحدث بالشأن الفلسطيني أكثر من أي مناضل عربي، بل أرى أن كثيرا ممن زاملتهم أو عرفتهم من المناضلين العرب، سواءَ في السجون أو العمل الصحافي أو العام، مثل حسين عبد الغني وحمدين صباحي في مصر وأكرم شتي في لبنان او طاهر العدوان وكمال بني هاني وضرغام الهلسة في الأردن، كانوا وما يزالون أكثر تمسكا بعروبة فلسطين من كثير من الفلسطينيين أنفسهم. كذلك الأمر فإنني لا أرى أن أي أردني يفضلني في أردنيته، اللهم إلا بعطائه.

ولعل التاريخ لم ينس أن اعظم الثورات في تاريخ فلسطين قادها الشيخ السوري عز الدين القسام، وأول انتصار عربي في التاريخ الحديث قاده البطل الأردني مشهور حديثة.

لا أدري لماذا كلما سمعنا نعيقا اوهذيانا لمسؤول صهيوني أو أميركي حول الوطن البديل أو التهجير أول ما نلتفت إلى بعضنا بعضا، ونبدأ بتبادل الاتهامات؛ هذا يتهم هذا بالعنصري وآخر يتهم بالمحاصصة، وكأن وجود الأردن رهن بتخرصات أو هذيان اي مسؤول صهيوني، وكأننا من الهشاشة، بحيث لا نستطيع أن نحمي بلادنا، فنلقي بغضبنا وضعفنا على بعض بدلا من المواجهة الفعلية.إذا ما تحدث مسؤول إسرائيلي عن تهجير أو ترانسفير، لماذا لا نقول له إن أية عملية نقل قسري للسكان متعارضة مع اتفاقية وادي عربة وأية ممارسة من هذا القبيل تجعل الاتفاقية لاغية.لماذا لا نقول إن أي تصريح لمسؤول إسرائيلي بأن الدولة الفلسطينية قائمة أو ستقوم بالأردن يعني أن اتفاقية السلام أصبحت لاغية.

لماذا لا نحذر الكيان الصهيوني بأن أي اجتماع للكنيست لدراسة أن الأردن هو وطن الفلسطينيين سيعني بالضرورة أن الاردن لا يعترف بدولة إسرائيل كونها لا تعترف به، وأننا سندعو مجلس الأعيان أو النواب لتقرير ذلك.هل سيَتَجرؤون بعد ذلك على أي تصرف من هذا القبيل؟

أليس هذا أجدى من أي عمل من شأنه أن يزيد التوتر الداخلي ويهيئ التربة الخصبة لعدم الاستقرار بزرع بذور الشك والاختلاف، فتضطرب بوصلتنا ونتوه فلا نعود نعرف العدو من الصديق والرئيسي من الثانوي.

لقد شهدت الفترة الماضية حراكا سياسيا قويا وهو إن بدا في الظاهر سلبيا إلا أنني أعتقد أن بالإمكان تحويل الطاقة الناجمة عنه إلى مسار إيجابي. ولعل مبادرتي الأخوين الفاضلين الأستاذ فيصل الفايز والاستاذ أحمد عبيدات تستحقان كل التحية والاحترام والاهتمام، وتصلحان أساسا لعمل وطني جامعٍ للشمل حامٍ للديار.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إلى السيدين نادر الهروط واحمد عبد الدايم (محمد صوالحه)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    يبدو أن السيدان المحترمان لم يفهما مقال الدكتور الخطيب بشكل واف !!
    أرجو منهما التكرم بإعادة قرائته وافتراض حسن النية والمصلحة العامة وشكراً ...
  • »وما هو التناقض بين الأردني والجزائري؟ (وصفي الحوراني)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    أحيل الكاتب إلى مقالة محمد حسن العمري تحت عنوان "نعم للوطن البديل ... من غير الاحتلال" المنشورة في موقع عمان نت اليوم .
  • »لا للوطن البديل (نادر الهروط)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    الكاتب الدكتور المحترم
    القضية لا تتعلق بالهوية ولا بالعاطفة ولا بالاخوة القضية سياسية بحتة تتلخص بمايلي :

    " اذا وافق الاردن(تحت الضغوط) على تجنيس اللاجئين الفلسطينين (كما يطالب الكثير منهم ) وتجنيس المهجرين من فلسطين الى الاردن (البديل) معنى ذلك تفريغ فلسطين من اهلها وتحولها الى وطن قومي لليهود وتحول الاردن الى بلد بديل للفلسطينين وتضيع فلسطين ويضيع الاردن "

    انتهى هذة هي القضية .. لا علاقة لها بالهوية ولا بالقومية ولا بالاخوة ولا بالاسلام ولا بالمسيحية ولا ولا ولا ...
    القضية سياسية بامتياز ويجب على كل الوطنين الاردنين والفلسطينين ان يقفو في وجه هكذا مخطط بالمطالبة بعدم التجنيس والمحاصصة وفي وجه التهجير والترانسفير والاصرار على حق العودة والتعويض كما تنص قرارات الامم المتحدة للحفاظ على الاردن وفلسطين
  • »مقال جميل (olivierowanaj)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    كلام ومقال جميل للغاية من الاخ الدكتور .
  • »مغالطات (أحمد عبد الدايم)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    استهل الكاتب الدكتور جمال الخطيب مقالته المنشورة في الغد بتاريخ 13/5/2010 بقوله "هل يوجد تناقض بين الهويتين الاردنية والفلسطينية؟ وهل يوجد فعلا اختلاف جوهري وحضاري بين الشعبين؟"
    وقد ارتكب الكاتب عدة مغالطات في هذا السؤال، وبناء مقالته على جواب هذا السؤال المفترض والمليء بالمغالطات.
    أولى هذه المغالطات، هي أنه لا توجد هوية اسمها الهوية الأردنية، وكذلك لا توجد هوية اسمها الهوية الفلسطينية، فمصطلح الهوية يطلق على الإيدولوجيا، أي عن الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة التي يحملها الإنسان كقاعدة وقيادة فكرية له في الحياة، والأردن وفلسطين أوطان وبلدان من بلاد المسلمين، وليس لكل منهما من هوية سوى الهوية الإسلامية، فهما بلدان مسلمان، فصلهما الاستعمار عن بعضهما البعض، دون أن يكون لهذا الفصل أي مستند قانوني أو شرعي أو طبيعي، وإنما كان استحقاقا لهدم الدولة الإسلامية العثمانية، واحتلال البلاد الإسلامية وتقسيمها حتى لا تعود الدولة الإسلامية مرة أخرى، فتهدد مصالح الغرب، وتنقل الصراع والجهاد إلى ملاعب الدول الغربية، بدل أن يكون مسرح الحروب التي تفتعلها الدول الغربية هو بلادنا.
    أما المغالطة الثانية الواردة في المقال، فهي الحديث عن المسلمين في الأردن وفلسطين أنهم "شعبان" رغم أنهما من عرق واحد هو العرق العربي، فهما شعب واحد يحمل الهوية الإسلامية، فلا يوجد هناك شعب أردني وشعب فلسطيني وشعب مصري أو عراقي.. الخ، وإنما يوجد شعب واحد هو الشعب العربي، الذي يعتنق العقيدة الإسلامية ويحمل الهوية الإسلامية ليس غير.
    أعلم بأن الكاتب أراد إثبات حقيقة أن لا فاصل ولا فوارق بين المسلمين في الأردن أو المسلمين في فلسطين، وأن التناقض يجب أن يكون مع المحتل الغاصب لبلاد المسلمين ومع الدول الطامعة في بلادنا صاحبة النفوذ عليها.
    وهذا كلام حق، ومنطبق على الواقع، غير أن العبارات التي استهل بها الكاتب سؤاله في هذه المقالة أتت على خلاف ما يريد.
    وأظن أن ذلك ليس مقصودا منه، فمن ثنايا حديثه يلمح مراده..
  • »الخطيب (عصام ا)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    اعلم ان لا ينبغي لاحد ان ينسلخ من هويتة وجنسيتة وكلنا عرب
  • »اردني وفلسطيني (محمود)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    هذا مقال رائع ويريت الكل يقرأ هذا المقال بعمق ويراجع افكاره. يجب ان نفكر بعقلانيه وليس بعاطفيه وأنانيه. شكرا للكاتب على هذا المقال.