المأساة اليونانية

تم نشره في الأربعاء 12 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

هل من دروس مستفادة من المأساة الاقتصادية اليونانية؟ وهل يجوز لأي بلد آخر أن يتمعن في الأسباب الكامنة وراء هذا التدهور في اقتصاد دولة يعتبرها الغرب مصدراً أساسياً من مصادر حضارتهم، وفلسفتهم في الحياة، وبنائهم الديمقراطي، ومنهجهم الأدبي والفكري، وأن يتعلم منها؟

حسب اللغة اليونانية، في أصل كلمة "تراجيدي" أو المأساة، أنها تأتي من كلمتين: الأولى وتعني العنزة، والثانية تعني غناء. فما علاقة غناء العنزة بالتراجيديا؟ الجواب أن العنزة كانت تحاط بالمغنين والمنشدين في المعابد قبل ذبحها قرباناً.

والتراجيديا اليونانية تقدم لنا نمطاً متناقضاً من الحياة، ففي الوقت الذي نشاهد مأساة على المسرح تنتهي بموت البطل، فإن جمهور المتفرجين يكتسب لذة من وراء ذلك، كما هو حال المنشدين عندما يذبحون العنزة كأضحية لإله يوناني، مثل "ديونيسيوس" إله الخمر والخصب.

فهل يستمد أحد لذة من مأساة اليونان الاقتصادية؟ يبدو أن المنافسين للاتحاد الأوروبي يريدون لهذا الاتحاد أن يغرق في شبكة المأساة اليونانية، حتى يأكلها عنكبوت مُتربص.

ولذلك، فإن العالم الذي يراقب تطورات هذه المأساة يريد لليونان أن تعض على النواجذ، وتشد الأحزمة على خاصرتها، في الوقت الذي نرى المراقبين يعانون فيه من تبعات هذه الأزمة.

لقد تمادت الحكومات اليونانية المتعاقبة في إهمال نذر الأزمة، ومضت في سلوكها إرضاء للضغوطات الشعبوية عليها. فبدأ العجز يكبر حتى وصل حدودا ونسبا مخالفة لشروط عضوية اليونان في اتحاد العملة الأوروبية.

ومن هذه الشروط هو أن نسبة العجز في الموازنة لا يجب أن تزيد على 3 % من الناتج المحلي الإجمالي بالإضافة الى قيود أخرى تتعلق بسلوكيات المصارف في الإئتمان والإيداع وغيرها.

ويقال أن بعض الحكومات اليونانية كانت تطبخ الأرقام، وتكذب بالإحصائيات حتى تظهر وضعها الاقتصادي على غير حاله، وبخاصة العجز في موازنتها.

ولم تكتف بذلك، بل مضت متوسعة في الإنفاق حيث تزيد الرواتب، وترفع من نسب الدعم ومقاديره، ولا تراقب إنتاجية الاقتصاد أو العاملين فيه.

إن وضعاً كهذا سوف يفضح صاحبه في نهاية المطاف، ومهما يكن عند أي اقتصاد من خليقة، فلا بد في يوم ولو بعد حين أن تُعرف ويدري بها القاصي والداني.

ووجدت اليونان نفسها غير قادرة على الوفاء بالأقساط والفوائد المستحقة على ديونها. والأنكى من ذلك أنها لم تجد من هو مستعد لإقراضها بسبب تراجع تقييمها في مؤشرات الثقة بالقدرة على الوفاء بالديون.

وانفضح الأمر وانكشف، وتبين أن له إشكالات أكبر. وفي البداية خافت الحكومة على نفسها أن تسقط إن هي استجابت لشروط الدائنين والمنقذين، وبخاصة ألمانيا وصندوق النقد الدولي.

وهكذا وقف المنشدون والمنقذون يرقبون العنزة تغني قبل أن تمارس على نفسها ويمارس عليها التجلد والصبر والتقشف. ولن تجدي المظاهرات ولا الاحتجاجات أمام ضغط الحاجة.

هل من دروس مستفادة من هذه المآساة اليونانية؟
والجواب أننا بحاجة الى تبني مؤشرات إنذار مبكر تخبرنا بأي مشكلات قد يواجهها الاقتصاد، وأننا أقدر على معالجة أي أزمة بأيدينا قبل استفحالها حتى لا نصبح عنزة تغني، وأن المشكلة الاقتصادية قابلة للحل الآن إذا واجهناها بالإجراءات المؤلمة وربما غير الشعبية.

لقد وجدت اليونان من ينقذها، أما آخرون فقد يجدون ذلك صعبا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنزه ولو طارت (مناف مجذوب)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    تشخيصك دقيق ورائع يادكتور جواد للأزمه اليونانيه,والعبر والدروس الواجب استخلاصها من تلك الأزمه.واوافقك على ضرورة وضع الأسس اللازمه لتفعيل مؤشرات الأنذار المبكر تفاديا للأزمات الأقتصاديه قبل وقوعها. والعبره في ان نعالج ازماتنا بايدينا قبل استفحالها وباجراءت غير شعبيه تتطلب التقشف والتدبير ورغم اعتراض واصرار البعض بأن العنز يمكن ان يطير !
  • »إجراءات مؤلمة غير شعبية (hasan)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    لماذا على الشعب دائما أن يتحمل الإجراءات المؤلمة غير الشعبية. ثم ألم يكن طيلة الفترات الماضية يتحمل الإجراءات المؤلمة غير الشعبية وهو يحلم بمستقبل مزهر. وها هو الآن المستقبل إلا أنه ليس مزهرا ولا حتى ملون. مستقبل الأمس يسوده سواد عظيم من تعاظم الفقر والدين وضخامة عدد الشيكات المرتجعة حتى أصبحة بموازاة ميزانية دول. لماذا دائما يكون الشعب المورد الأساس لكل مشكلة اقتصادية بينما لا نجده المستفيد الأول في أي فسحة أو فرج اقتصادي.
    نجد أن صاحب المال وفي أول هزة اقتصادية يقوم بلم حاجته وبفلسع من البلد بفلوسه أو بودعهم بإحدى البنوك وغالبا غير المحلية، بانتظار الفرج الاقتصادي وبانتظر حتى تسد الدولة عجزها من الشعب وكأنو هو مش من الشعب ومصلحة البلد ما بتهمو.
    ليش ما يكون في مسائلة حقوقية لمثل هيك أفعال. ليش ما أغنياء البلد مثل ما استفادو من الفرج الاقتصادي ما يساهموا في حل أزمة البلد.
    الأغنياء يتزايدون، وبوتيرة أعلى الفقراء يتزايدون والطبقة الوسطى تحتاج لقانون حفظ من الاندثار.
    يجب أن نراجع أولوياتنا.
    يجب توجيه دفة الاقتصاد نحو إجراءات مؤلمة لكنها شعبية.
    يجب التوقف عن الاستثمار في النشاطات الاستهلاكية وتوجيهها نحو النشاطات الإنتاجية.
    كفانا استيراد يجب أن نتحول إلى منتجين ومن ثم إلى مصدرين.
    لا ينقصنا شيء لنبدأ بالاعتماد على الذات لا على المعونات.
    العادات الاستهلاكية المترفة يجب ايقافها؛ ولو بالقوة. لأنها لا تدفع بشيء في عجلة التنمية والتقدم. انها مظاهر كاذبة أصبح الشعب بسببها لا يفكر إلا بالاقتراض، لا بالعمل والجد لأجل تحقيقها.
    لقد أصبحنا مجتمع استهلاكي بكل ما في الكلمة من معنى وهذا أمر جد خطير وسيء جدا.
    يجب أن نأكل مما نزرع وأن نلبس مما نصنع. يجب...
  • »عدد سكان اليونان (مواطن)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    عدد سكان اليونان ما يقارب 10.3 مليون نسمة ويطالبون بنحو 100 مليار يورو !!!!
    اي يمكن ان يوزعوا على محفظات مصر دون خلل دمغرافي حاد، و يمكن ان تكفي مصر 10 مليار يورو فقط.
  • »لماذا؟ (ابو خالد)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    ما يثير الاستغراب والعجب والتساؤل يا دكتور جواد هو لماذا كل الشعوب التي كان لها ماضي عريق وساهمت بشكل كبير في الحضارة الانسانية وصلت الى هذه الدرجة من التردي المادي والفكري ؟
  • »العنزة تغنى فى ظل العولمة والاقتصاد الحر والفضاء الاكتروى (محمود الحيارى)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    مقال رائع من كاتب مبدع واقتصادى ورجل دولة من الطراز الرفيع،ونتمنى من الاقتصادى المخضرم ان يبين لنا مؤشرات الانذار المبكر التى يفكر فيها والتى يرغب من لدن ذوى القرار تبنيها وكذلك بيان الاجراءات المؤلمة وغير الشعبية التى يقترحها وانعكاساتها وأثرها على الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل ومدى انسجامها ومواءمتها مع مالتزمت بها الجهات ذات العلاقة فى العمل على تحسين مستوى المعيشة لغالبية المواطنين الذين يعانون من الاوضاع الصعبة الحالية والذين توليهم قيادتنا الفذة جل اهتمامها ورعايتها على الدوام.نشكر معالى الدكتور العنانى جواد على اضافاتة المبدعة ونشكر الغد الغراء للسماخ لنا بالتواصل المعلوماتى فى قضايانا الوطنية. كافة،ولعل فى غناء العنزة ماينفعنا جميعا فى الاوضاع الراهنة