علاء الدين أبو زينة

زواج الأطفال.. هذا الاغتيال!

تم نشره في الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

يدور الجدل راهنا حول عنوان "زواج القاصرات". ولا أرغب الخوض في أصول هذا الجدل في بعده التاريخي، ولو أن المنطق يفترض أن تكون للتشريع غاية عملية موضوعية، وهو السبب في تعديل الأمم الحية تشريعاتها وفق السياقات المتغيرة. لكنني أقارب هذه المسألة من منظور واقعي وإنساني خالص، فأبدأ من العبارة التي نكررها مهما اختلفت مشاربنا عندما نأتي على ذكر الزواج: "الزواج مسؤولية".

ولهذه العبارة المختزلة منطقها الداعم لذاته، لأن الزواج إذا لم يكن مسؤولية، فإنه يكون ضد المسؤولية، بمعنى أن الطرف فيه يكون حلاً من أي التزامات أو مطالبات، وبحيث يصبح الزواج في النهاية لعب أطفال.

والحقيقة هي أن الزواج واقع ثقيل المسؤوليات، والتي يعرفها كل أب وأم، بدءا من الأعباء المالية، إلى أعباء الإنجاب وتربية الأولاد، إلى الواجبات الزوجية المتعلقة بالحياة الجنسية الخاصة بكل تشابكاتها.

ويعرف كل المتزوجين كم تحتاج إدارة العلاقة الزوجية من الخبرة والتعقل. ولعل من باب المفارقة الواضحة أن تلجأ بعض العائلات إلى تزويج الفتيات في سنّ مبكرة، بهدف التخفف من إحدى مسؤوليات الزواج نفسه.

قلت "لعب أطفال"، ويصعب تصور زواج القُصّر، ذكوراً كانوا أم إناثاً، على أنه أكثر من لعب أطفال، ونوع خَطِر جداً من اللعب، لأن الأخطاء فيه (وهي حتميّة) تكون وبالاً على صاحبها وعلى غيره. أما إذا كان هناك من يعتقد بأن الطفل في الخامسة والسادسة عشرة من عمره لا يكون طفلاً، فإنه كأنما يطالب بتعديل كافة التشريعات، بحيث يكون الواحد في هذا السنّ مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تصرفاته، وأن يعاقب وفق قانون البالغين وليس الأحداث، وأن يُمنح رخصة سوق، ويتسلم وظائف إدارية وسياسية كبيرة.

وبغير ذلك، تكون المزاجية والانتقائية اللامسؤولة واضحة تماماً حين نقول إن الشخص في هذا السنّ يكون مؤهلاً لتحمل "مسؤولية الزواج"، في الوقت الذي لا يجب أن يكون فيه مسؤولاً ولا مكلّفاً بتحمل المسؤولية في المواطن الأخرى.

العالم يتحدث اليوم، ونحن نتحدث معه، عن "عمالَة الأطفال"، وعن "التحرش بالأطفال"، و"الاتجار بالأطفال" والكثير من الممارسات الأخرى التي تتصل بالفئة التي تقل أعمار أصحابها عن سنّ التكليف القانوني المتعارف عليه. ويجري تحميل الكبار مسؤولية كل ما يصيب هؤلاء الأطفال، باعتبار أن كل ما يحصل لهم ليس من صنيعهم ولا لهم يد فيه.

ولا أفهم كيف يمكن للكبار التنصل من مسؤولية تلزيم بعض هؤلاء الأطفال أنفسهم بحمل مسؤولية أصعب بالتأكيد من بيع العلكة على الإشارة الضوئية.

ومن المؤكد أن مشهد طفلة تحمل طفلاً في بطنها أو على يديها يوجع أكثر من مشهد طفلة تحمل كيساً وتتسول الأحذية والملابس القديمة من البيوت، لأن للثانية على الأقل بعض الفسحة لممارسة شكل الطفولة وحريتها.

أتذكر قصة الأديب الكبير طه حسين عن الطفل الذي سلبوه طفولته بإلحاقه بالأزهر وارتدائه "العمامة والكاكولة"، بحيث صار يمر، متحسراً، بأقرانه وهم يلهون ويلعبون، فيمنعه حبس الرداء و"وقاره" من مجاراتهم.

يتحدث البعض عن أسباب مجيزة لتزويج الإناث من الأطفال، مثل الفقر. وغالباً ما يتم تزويجهن لعجائز متصابين أو أشخاص قادرين مادياً من الباحثين عن المتعة، في شكل من المتاجرة، ويتجاهلون ما يترتب على هذه العلاقة غير السوية من قتل لروح الزوجة الطفلة. ولا أعرف كيف يمكن أن تسمى مقايضة جسد البنت وروحها بالخبز أو الذهب رحمة بها وحلاً لمشكلتها.

ويتحدث آخرون عن "السُّترة"، وكأن إمهال الفتاة حتى تكتمل يشكل فضيحة تستوجب الستر، على نحو يذكر بوأد البنات في الجاهلية الأولى.

لكن القاعدة التشريعية يجب أن تعمل في كل الأحوال على حظر تزويج الأطفال، وأن لا يتم تضمين القانون مبيحات ومخارج يستغلها أصحاب النفوس الضعيفة.

لدى الكثير منا بنات في المدارس أو في سن الطفولة، ولا أتصور كيف يمكن أن يتخيل المرء هؤلاء الصغيرات الأثيرات اللواتي ينبغي أن يلعبن بالعرائس وقد أصبحن هن "العرائس" قبل الأوان، ولا أتصور تحميلهن "مسؤولية الزواج" سوى اغتيال مبيّت وصريح للطفولة..!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فعلا (خالد)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    أخي الكاتب يجب أن تعرف أن هناك أسبابا مقنعة و منطقية للزواج في هذا السن وليس كلها كما تدعي. هناك من يستطيع تحمل المسؤولية وهو بسن صغير كما هناك من لا يتحملها وهو في العشرينات.
    "لأن الأخطاء فيه (وهي حتميّة)"
  • »yahya (yahya)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    التشريعات سواء الاسلامية او غيرها والمعمول به في الاردن بشكل خاص لا تبيح زواج القاصر.
    لكن المسألة التي يجب أن نفهمها هي من هو الطفل او القاصر ومن هو البالغ ؟؟
    المعروف ان الفتاة والفتى لهم امارات للبلوغ وعلامات معروفة ولا تحدد بسن معينة بل قد تدخل العوامل البيئية في وقت البلوغ والذي يسميه البعض المراهقة .
    فقد تكون الفتاة بالغة في سن 12 في بعض المناطق وقد لا تبلغ حتى تصل 18 في مناطق اخرى ..
    المهم ان الذين يتوهمون ان هناك تشريعا يبيح زواج القاصرة كما يدعون انما اخذوا بتشريعات لم تراعي هذه النقطة وقالوا ان الطفل يستمر عمره الى 18 سنة بل ويحاولون زيادة هذا السن الى 20 ضاربين بعرض الحائط الطبيعة الفسيولوجية لكل من الذكر والانثى ويدعون انهم ما زالوا اطفالا.
    كلمة اخيرة لو بقينا نقول لشاب او فتاة انهم اطفالا حتى لو صار عمرهم 30 سنة لتوهموا انهم اطفالا ...
  • »انفصام الشخصيه (ابو السعود)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    فعلا السؤال هو : كيف نشرع الاساءه للاطفال ونحن الذين ملأنا الدنيا كلاما عن محاربه الاساءه اليهم , لا بل قد سبقنا دولا اخرى وهي الآن تتعلم من تجربتنا, فكيف تجري الامور عندنا وكيف ننظر الى هذه التشريعات ومن هم واضعوها . اسئله كثيره ومخيفه !!
  • »وأخيرا صوت المنطق (مؤيد 100%)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    بداية... ألف شكر على المقال الرائع و الواقعي... لقد أثلجت صدري بهذا الكلام الذي أردت أن أقوله و لطالما علقت على المقالات التي تبحث الموضوع بنفس المنطق. ولكن للأسف الشديد نظرة واحدة على أي تصويت على الموضوع نفاجأ بأن الاغلبية مع تزويج القاصرين تحت ظروف معينة!! للأسف هناك قصرنظر عند غالبية المصوتين بأن الشاب أو الفتاة عند سن 16 واعين و هناك من يقول أن هناك فتيات في هذا السن "عقلهن بوزن ذهب"... المشكلة يا أخي العزيز أن عينة المصوتين وان كانت صغيرة فهي تدل على خلل في فهم الحياة الزوجية عند الغالبيةو أسال الله أن لا يتم اقرار قانون يبيح الزواج للقاصر لأنه حتى في سن ال25 تكون الحياة الزوجية فيها تحدي كبير لبناء العائلة على الأقل من زاوية مالية و اقتصادية بحتة ناهيك عن قبول الطرفين لمساوىء الاخر والواجبات التي تكون على كلا الزوجين. وأخيرا أأسف عندما يقال أن الزواج المبكر بسبب الفقر مباح لأنه بنظري فأن الاهل يبيعون طفولة بناتهم و يقبضون الثمن!!
  • »شو القصة (مواطن)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    مش عارف ليش هالحرب على زواج ما يسمى بالقاصرات يعني ان نقرا كل يوم عن طفل لقيط او قتل بداعي الشرف افضل ام ان نلبي الحاجة الجنسية للشباب بالحلال!
  • »فاقد الشيء لا يعطيه (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    لم يعد وئد البنات تشكل خطرا على مجتمعنا لآن الأسلام ابطله الى لا نهاية..وكانت البنت تموت في حفرتها ولا تترك خلفها ايا من أثار الجريمة ..نحن الأن وفي القرن الواحد والعشرين اصبحنا نئد البنات بطريقة أخرى ، وهو زواجهن في سن مبكر جدا من حياتهن ..ومساويء هذا الوئد فأنه يترك خلفه عشرات المشاكل الأجتماعية والأقتصادية لا يدركها الا من تورط فيها ..هل اصبحنا مجرمين نقود اطفالنا الى الوئد ثانيةعن طريق زواجهن المبكر ..صيحة نطلقها لأصحاب الفتاوي ، ونهيب بهم بأن يطلقوا الفتوات في منع الزواج المبكر لآن عصرنا الحاضر ، عصر العلم والثقافة والتكنولوجيا الجديثة والتقنيات المتعدة يتطلب منا أن نكون في مستوى المسئولية لآن هؤلاء القاصرات سيصبحن امهات ..وفاقد الشيء لا يعطيه
  • »:( (هيثم الشيشاني)

    الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010.
    هي مقايضة جسد + روح كما وصفتها، شيء بشع -برأيي- من أوله لآخره.
    لا أفهم كيف "يشرعن" أي كان مثل هذا داخل رأسه!