محمد أبو رمان

هل ندرك كم هي الخسارة ثقيلة وفادحة؟!

تم نشره في الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

وقع نبأ وفاة المفكر المغربي، د. محمد عابد الجابري (أمس)، عليّ وقع الصدمة الشديدة، فرحيله خسارة لا تحتمل بما يمثله من فكر شكّل على الدوام ثروة لا ينضب معينها، أغلى وأهم من النفط والمال والذهب، وهو للمثقفين والقرّاء العرب المدمنين على الفكر المعاصر أو من قرأوا سطراً منه، بمثابة الأب الروحي لهم جميعاً.

الجابري مفكر من طراز رفيع اشتغل في قلب الأزمة الفكرية العربية، واشتبك مع بنية العقل العربي وعلله وأزماته البنيوية، متنقّلاً من إعادة قراءة التراث العربي (الغزالي، ابن تيمية، ابن سينا، الفارابي، إخوان الصفا...)، مستنطقاً تأثيراته وتجلياته القابعة في كعب العقل العربي إلى اليوم، إلى الفكر المعاصر وأزمة العقل العربي، وأنهى مشواره الحافل بإعادة قراءة القرآن الكريم، وفق منهجية عقلانية جديدة، تنخّل القراءات النقلية، وتتصفّح القديمة والجديدة، مقدّماً كتاباً في غاية الروعة يجمع بين المناهج المعرفية الفلسفية والإسلامية، مستعيداً العقلية الإبداعية لكبار الفلاسفة والعلماء الإسلاميين.

كان مسكوناً بقضية التنوير الإسلامي والعقلانية، ويعرف أنّ طريقها لا يمرّ، كما يخطئ بعض العلمانيين، بالصدام مع الدين، فأعاد تقديم ابن خلدون للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة بلغةٍ عميقة رشيقة تفكيكية، وطرح مشروعه بروح معاصرة، فساهم بدبِّ الحياة مرّة أخرى في موروث وفكر ذلك العملاق الإسلامي، الذي لم نكتشفه إلاّ مؤخّراً.

لم يكتف بذلك، بل ردّ الاعتبار لابن رشد، فأشرف على مشروع كامل لإعادة تحقيق وقراءة كتب ابن رشد، الفلسفية والسياسية والفقهية، وله مؤلفات عن ابن رشد ومشروعه الإصلاحي.

حتى في كتابه "حفريات في الذاكرة" الذي يروي فيه سيرته الذاتية، فقد أبدع الرجل في نقش صورة من حياته، ومن الحياة المغربية وتتبع خيوطها الاجتماعية والثقافية، فقدّم كتاباً ممتعاً يجمع بين الأدب والاجتماع والفكر.

الجابري "حالة" لن تتكرر في الفكر العربي المعاصر، فهو "نموذج فريد" للمثقف والأكاديمي العربي المسكون بقضايا التنوير والنهضة والإصلاح والتغيير، الذي يدرك تماماً أهمية الجامعات والكتاب والمعاهد العلمية في بناء جيل التنوير والتغيير، ويدرك، كذلك، أهمية إعادة بناء العقل العربي وتخليصه من علله التي أودت به إلى آفات كبرى في التفكير والتحليل، وصولاً إلى أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية الحالية.

لم يتورّط الجابري في تجيير فكره ومعرفته لمصلحة نظام سياسي أو قوى معيّنة، فاكتسب إنتاجه الغزير مصداقية وقبولاً من الجميع، لأنّه بقي "بعيداً عن الشبهات السياسية"، وحتى استدارة الرجل نحو مزيد من الأسلمة لخطابه وأرائه، فلم يكن ذلك إلاّ إدراكاً منه لأهمية الانطلاق من مفهوم الاجتهاد الديني في تغيير البنية الثقافية والعقلية السائدة.

قد يكون عزاؤنا الوحيد في هذه الخسارة الفادحة أنّنا تعوّدنا في العالم العربي ألاّ نحتفل بالأشخاص ولا نقدّر قيمتهم إلاّ بعد أن يرحلوا، فعسى أن تكون وفاة الجابري بمثابة إحياء جديد وولادة أخرى لما تركه لنا من ثروات وكنوز لا تقدّر بثمن، واستثمار للمفاتيح التي تركها بأيدي الأجيال الجديدة من حملة رسالة المعرفة والتنوير والإصلاح، بعيداً عن الثقافة السطحية المبتذلة التي تملأ الفضاء الإعلامي العربي اليوم، فتزيد في تخريب العقل وتدميره، وتعمّق أزماته وآفاته.

مشروع الجابري بمثابة تحدٍّ للمشاريع المعروضة في الساحة العامة العربية، فهو مشروع التنوير والمعرفة والقراءة الواعية العقلانية في مواجهة المشروع الإسلامي - الوعظي، الذي يمارس تخديراً للعقل والتفكير، وتسطيحا لمقاصد الرسالة الإسلامية، وفي مواجهة المشروع العلماني الذي لا يدرك أهمية الدين وموقعه في حياة الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة، فوقع في صدام مع الدين، وتغرّب بعيداً عن مجتمعاته، تاركاً الأثر الأكبر فيها، إمّا للدعاة والوعاظ وإما للفراغ والثقافات السطحية الاستهلاكية.

حريٌّ بنا اليوم أن نردّ الاعتبار لهذا العلم الفكري العربي، ولمؤلفاته الثرية النوعية، وأن تدرج في مساقات التعليم في المدارس والجامعات، لعلّها تساهم في صحوة العقل العربي من غيبوبته، وفي إعادة ربط الأجيال الشابة الجديدة، من مختلف الاتجاهات، بمشروع التنوير والعقلانية، والحداثة بنسختها المعتدلة المتكيفة مع البيئة العربية.

رحل الجابري،.. بعد أن شرّح لنا "علل العقل العربي"، لعلّنا نكمل الطريق فنتخلّص منها!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »على هامش أعمال ألمفكرين (مروان ألحكيم)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    أتساءل عن كيفية تقييم اثر المفكر في أمته واذا مافكر به وبحث فيه غيّر في ألامه وأعطى نتيجه مفيده. هل جهود مفكرينا عبث؟ ألجواب لا أعلم وأريد ان أعلم بشكل صحيح وياحبذا بطريقه علميه. ولكن ما أشعر به مبني على قياس ما أشاهده من سلوكيات وتصرفات أفراد صبغت ألمجتمع بشكل يوحي بأن جهود الفلاسفه والمفكرين لا يثمر ألمأمول قياسا على التدني ألحاصل في مجمل ألقيم المجتمعيه من أخلاق وتعامل سئ وتفشي ألعصبيات قبليه ومذهبيه وانتشار ألفساد ألخ. نقد فساد ألمجتمع وسوء ألاخلاق مذكور منذ أيام سقراط مرورا بالعديد من ألفلاسفه وألمفكرين وعلماء ألاجتماع وألمصلحين مثل أبن خلدون وألافغاني ومحمد عبده ألخ فلماذا ينجح ألنصابون وألمحتالون والمنافقون وألظلمه وألقساة وألفاسدون بصبغ جوانب ألحياة ألمجتمعيه ويفشل ألاخلاقيون والطيبون وألصالحون في ذلك؟
  • »الجابري استاذا (اسامة طلفاح)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    لا نعرف الأشخاص إلا حين فقداننا لهم..
    أقولها صدقاً أنني ومع بداية مراهقتي الفكرية كنت اعتبر الجابري خارجا عن المنطق والتحليل العميق وخصوصا"للعقل العربي"، ولكن حينما قرأت بتمعن أكثر ومنطقية أكبر للجابري ولآخرين ممن انتهجوا منهجه، كنت في كل مرة اكتشف حلاوة فلسفة الجابري والمنطقية الواقعية التي كان يعيش فيها،
    كان له دور كبير في تغيير مسارات عدة ... الجابري بالنسبة لي كـ مالك بن نبي غيروا كثيرا من الأفكار الموروثة لدي والتي مورست علينا من خلال القمع الفكري الذي تجرعناه صغاراً .. في البيت، المدرسة، حتى الجامعة ..
    فارقنا الجابري اليوم وترك بداخلنا كنزا ً لا يجب أن يُسقط في خضّم الإسقاطات العربية فقد كان رمزا ً عربيا ً وأستاذا معلما ً ورائد من رواد الفلسفة العقلانية.
    رحمه الله وغفر له
  • »مفكرو المغرب العربي ...زهد في ثروة لاتعوض. (طارق أحمد محمد عمرو)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    أحسن الكاتب د.محمد أبو رمان بتجلية المكانة التي يتمتع بها المفكر والفيلسوف العربي المغاربي المرحوم د.محمد عابد الجابري في مقاله بالغد(4/5/2010)،والتذكير بوفاته في خضم الأحداث وصراعات الحياة التي تغمر كثيرا من القامات الفكرية وتهضم حقوقهم في عالم النسيان.
    د.محمد عابد الجابري كشأن الغالبية العظمى من فقهاء ومفكري وفلاسفة ومتكلمي ونظار المغرب العربي الاسلامي، لم يفطن الى غزارة انتاجهم وعمق رؤيتهم وأصالة بحوثهم الا القليل من الباحثين في المشرق العربي الاسلامي ، على وجه يوصف بالزهد الآتي في غير محله في هذه الثروة الثقافية ببعدها الاسلامي والانساني.
    الشاطبي مثلا مبدع الاتجاه المقاصدي في الاجتهاد هو حلقة متممة لجهود أخيه العز بن عبد السلام في المشرق.
    وابن رشد الفيلسوف كان سيضيع نتاجه الفكري في غيابت البعد الجغرافي عن حواضر المشرق ببغداد ودمشق والقاهرة لولا الاشتباك العقدي (الحار والناقد) من قبل ابي حامد الغزالي.
    أما ابن خلدون نفسه فلم يسلم من الاتهام بالشعوبية والتقليل من شأن العرب في (مقدمته) وان سكن بمصر المحروسة وتولى منصب القضاء فيها.
    فضلا عن العلاقة الندية الحادة بين تقي الدين ابن تيمية(الدمشقي) وابن حيان من علماء المغرب...
    كل ذلك يشي بنوع منافرة بدل أن يكون عنصر تفاعل واثراء؛الا مر الذي يتطلب اعادة قراءة نتاج المفكرين المغاربة بوصفه قسيما واسنادا لنتاج المشارقة.
    لقد ساهمت البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المغرب العربي وبلاد الاندلس مساهمة واضحة فعالة لجهة تجذير أسلوب راق للتفكير والاجتهاد وقوة الطرح وسلاسة التعبير؛الامر الذي جعل المغرب حاضنة ثقافية وحاضرة فكرية تشد اليها الرحال من الغربيين في العصور الوسطى؛ولكن للأسف مع زهد شديد من علماء المشرق العربي الاسلامي.
    رحم الله د.محمد عابد الجابري رحمة واسعة.
    طارق أحمد محمد عمرو
    tareqamr@yahoo.com
  • »رحمك الله.. (د.محمود العزازمة)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    رحم الله المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري،لقد قدم الكثير للارتقاء بعقولنا العربية،وحررنا من رهاب التراث والمعاصرة معا ،وقدم إجابات وافية لأحوال الإنسان العربي المعاصر،رحلت عنا،نحن المحتاجون أبدا لك،غير أن كتبك ورؤاك ستؤنس بعض حشتنا من بعدك.. ودااااااااعا