حنان كامل الشيخ

سبع جمرات

تم نشره في الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

الأولى: أسمعتني صوتا طريا يغالب اندفاعي للمعركة.. زينت لي ستري وأنا أتمشى بجانب الحيطان.. حولت قوة الدفع التي كان مقدرا لها أن تهزم جبلا، إلى مجرد "دفشة" للباب الذي تأتي منه الريح، وعودتني أن أستريح.. قررت عني أن أقبل بربط الحمار "مطرح" ما يأمر به حمار آخر.. وحفظتني غيبا أن الساكت عن الحق .. شيطان أذكى!

الثانية: لأنك في حادثة كسر "مرطبان المقدوس" الشهيرة، جرجرتني من ذراعي إلى البقعة المظلمة.. حليت في فمي طعم الكذب الذي ينجي من الضرب.. وبالمرة أطلعتني على علم لفلفة الأمر كيفما اتفق، وإلقاء القبض على أول مار بالصدفة على مسرح جريمتي.. طهرت لي نجس الفرار، وربيتني على غسل يدي قبل وبعد الغدر مباشرة!

الثالثة: دفعتني لأكره خانات هويتي الشخصية. مرمرت قلبي على تاريخ ميلاد يحكم عليّ بالموت في برج العذراء. في زمن ما تخيلت أن أكون اسما آخر، في مكان ما تمنيت أن أكون جنسا آخر، في انكسار ما حلمت أن أعيش عمرا آخر.

الرابعة: خففت علي وقع الصفعة الأولى.. لا لم تكن صفعة.. كان ضربا مبرحا أدى إلى كسر مضاعف، في الذراع وفي العين.. كممت عشرين عاما من القراءة والتأمل.. وسرقت ذاكرة إدراكي عن مفهوم عزة النفس.. بعثرت على الأرض أوراق الحب والكرامة، حتى اختلط علي الأمر وما عدتُ أقدر على فرز أولوياتي، فضيعتُ الحب ومسحتُ بكرامتي الأرض!

الخامسة: عودت عيني على "منهجية مشاهدة" الظلم والاستبداد، حول المآذن وتحت شجر الزيتون وداخل الأنفاق وفوق سطح دارة فيصل الحسيني.. تسللت إلى دهشتي من قدرة أطفال حفاة الأقدام، على تسلق أعتاب الجوع والحصار، وفهمتني أن ذلك نصيبهم من الحياة.. وهم راضون به.. سيطرت على فزعي من الغاز المسيل للدموع، ووسوست لي أن الرصاصة التي طارت فوق رأس جيفارا البديري، ليست حقيقية!

السادسة: قلت لي إن والديك بشر مثلنا، يحق لهما أن يخطئا.. فيحق لي أن أحاسبهما، وأردّ لهما الصاع كيلا من الصراخ والتمنن بالإيواء واللقمة والدواء.. حشدت على رصيف العقوق يافطات "تباعد الأجيال" وتخلف تربية القدماء، وانعدام التفاهم بين الصور الملونة وصور الأبيض والأسود.. سهلت مرور "الأف" عبر أثير متقطع، لا يصوصل دعاءهما لي بالهداية.. وجعلتني أسخر من سذاجة حكاية أب حبس والده المسنّ في كهف قصي، فحمله ابنه إلى نفس الكهف حين بلغ من العمر عتيا!

السابعة: جعلتني أصدق أنك راعي كل خطاياي، وحامل ذنبي عن كاهل حماقتي.. ورسمت طوق غار فوق رأسي، يبرئني من التواطؤ معك.. ورفعت عني غلالة نفسي التي هي الأمّارة بالسوء.. ولم تصارحني بحقيقة أنك لست وحدك.. بل أنا مثلك شيطان!

hanan.alsheik@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تكفير الذنوب (طلال عتيبي)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    سيدتي المحترمة كاتبة المقال تحية طيبة و بعد ..
    كلنا نخطئ في هذه الحياة بسبب تجاهلنا لمحاسبة أنفسنا كل ليلة قبل النوم ! و دائما نحمل الشيطان شر اعمالنا و نقول الشيطان شاطر ! ليتنا نقف أمام ضمائرنا و نسأل أنفسنا .. هل فعلنا الصواب هذا اليوم أم جانبناه ؟ تحدثت مثلا عن عقوق الوالدين و هذه للأسف حقيقة نراها أمام أعيننا من شباب و شابات هذا الجيل .. يصرخون بوجه آبائهم و أمهاتهم و يلومنهم حتى على انجابهم للحياة ! من المسؤول عن هذا العقوق ؟ أهو الشيطان الذي بداخلهم و الذي ينمو يوما عم يوم ؟ أم هو الشيطان الذي خفف وطأة الصفعة على الخد الأيمن و بالتالي صرنا ندير لهم الخد الأيسر؟ و نفس المثال ينطبق على حالة السكوت أمام القتل و التنكيل بأهلنا في فلسطين و العراق لأننا تعودنا على المناظر و صارت طبيعية ! و عندما يحل الليل نبدأ باسترجاع الصور المؤلمة فلا ننام و لا نرتاح لأن الضمير ما زال مستيقظا في قلوبنا . اذن فهو الضمير الذي يجب أن نعود اليه لنخفف من ذنوبنا .
  • »في داخل كل منا شيطان (لينا خالد)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    اذا كنت قد استوعبت المقال جيدا وفهمته، فان ما فهمته هو معاتبتك عزيزتي حنان لشيطانك، ذلك الشيطان الذي يسكن كل واحد منا، ولكن الرائع فيك انك كشفتنا على حقيقتنا، فنحن من يسير الشيطان وليس هو، نحن بنفوسنا الامارة بالسوء نرضى ما يأمرنا به الشيطان ان نفعله اذا وجدنا امره مستساغا، ونتركه اذا لم يعحبنا، بل ونرمي على كاهله اخطاءنا عندما نشعر بالندم، اذا افلا نشبهه كثيرا مع اختلاف الشكل الخارجي؟
  • »أهمية الحساب (عاتكة الشوا)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    صديقتي الصدوقة و كاتبتي الحبوبة أسعد الله صباحك بالخير و رضي عنك و أرضاك...
    اسمحي لي أن أوصف مقالك بأنه أكثر من مقال رائع بل هو طريقة جديدة لمحاسبة أنفسنا على أخطائنا بأسلوب رائع جدا .
    ليتنا نرمي الجمرات على الشيطان و نعيد حساباتنا مع نفسنا و أهلنا قبل أن يأتي يوم الحساب العظيم و نندم حين لا ينفع الندم ... مزبوط ؟
  • »سبع حمرات (فؤاد الغلاييني)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    الكاتبة الرائعة حنان الشيخ
    كل مرة نندهش اكثر فاكثر بوجودك
    ننتظر مجموعتك القصصية ...
    الى الامام سيري
  • »رائعه...... (د. م. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    رائعه انت ياحنان باسلوبك العذب والرقيق كما تعودنا عليه دائما
  • »الخطايا السبع (عبدالله)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    الجبن
    الكذب و الغدر و اللؤم
    التشاؤم
    المذلة
    الهوان
    العقوق
    التهرب من المسؤولية و إلقاء اللوم على الآخر!

    أه كم أحب الثلاثاء لأجلك يا حنان!
  • »جميل جداً (noura)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    مدام حنان

    اشكرك على هذه المقالة

    نورا الحسن
  • »موعد مع الثلاثاء (عبير برناوي)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    عودت عيني على "منهجية مشاهدة" الظلم والاستبداد، حول المآذن وتحت شجر الزيتون وداخل الأنفاق وفوق سطح دارة فيصل الحسيني.. تسللت إلى دهشتي من قدرة أطفال حفاة الأقدام، على تسلق أعتاب الجوع والحصار......................................................................................
    متى نشفى من جرح تخاذلنا ؟؟؟؟؟
  • »كلام كيييييييييييير (سائد المغازي)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    صباح الخير سيدتي /
    بصراحه ؟
    كلام بمنتهى الروعة ..
    خاصة الحوار الذي ابتدعتيه مع الشيطان !
    شعرت انني اشاهد مسرحيةجدلية .. فيها عدة ادوار و الممثل واحد !
  • ».............................................. (R.U.H)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    شكرا على هذه المعزوفةالصباحية الراقيةو التي عبرت عن ارق الضمير من الاخطاء بحق أنفسنا .. و بحق غيرنا...
    ان اشد مايؤرقنا هو هذا الاحساس الذي نفشل دائما في التخلص منه
    نندم على عمر ضاع...
    نندم على قلب اعطى واعطى و ما تلقى الا مزيدا من صفعات...
    نندم على مالايعود وننسى ان الغد لابد آت ..وهناك فرصة للاعتذار..
    لذلك فانا ارمي جمرة على اليوم الذي كنت اقول فيه انا و من بعدي الطوفان...
  • »النفس اللوامه (أنمار حريقة)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    صباح الخيرات يا حنان الشيخ
    **************************
    اليوم قرأت المقال مرتين حتى أعرف من الشيطان الذي كتبتي عنه ..!!!
    **************************
    برأيي أنه الانسان الضعيف الذي يرضخ للواقع بدون أن يحركه ايمانه في الله لحل مشاكله .
    **************************
    الايمان بالقدر لا يتنافى مع العمل الدؤوب . وهذا الذي كتبتي عنه اليوم ليس ضعفا أمام ابليس (لعنه الله ) و لكنه استسلام لأغواء النفس البشرية و أهوائها .
    ****************************
    اعجبتني الفقرة الاخيرة .. فالنفس امارة بالسوء و هي التي يجب ان نلومها .
    *****************************
  • »أبدعت ! (متابع باهتمام)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    مقال من أجمل ما كتبت ... لكنه عودة غير حميدة لهواية جلد الذات !
    أنصحك أن تعيدي شحن قوتك .. افتحي الباب و واجهي الريح ... فالريح أرحم من غيظ السكوت ! انتبهي لنفسك ...
  • »ابدعتي (ايمان)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    لا اعرف انت رائعة وخصوصا مقالك عن الارث لا اعرف سوى ان اقول لك الى الامام وحماك الله
  • »بلا (منذر السلامين)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    المبدعة حنان

    حجّا مبرورا !!!!


    دمت ودام قلمك باذخ الألق