صور من الأبوية السياسية

تم نشره في الثلاثاء 27 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

أستعمل " الأبوية" هنا خارج مفهومها التقليدي، وإنما مستعينة برمزية المعنى، وهو تنصيب فئة نفسها قائدة أو منظرة عليا، مكتفية بتجاربها ومقتنعة بكون رؤيتها وتحليلها وحلولها هي الأنسب، وهي تتوقع من الآخرين الامتثال والطاعة والتقدير. وللأبوية السياسية بشكلها الذي عنيت، صور عديدة نراها في جميع الأزمنة وفي كل المجتمعات.

جُبت في الشهر الماضي ثلاث عواصم لحضور أربع مشاورات مهمة، اثنتين في روما، والثالثة في بيروت والرابعة في دمشق. المشترك في هذه اللقاءات هو تجميع للخبرات للوصول إلى استنتاجات وخطط عمل تصب في المصلحة العامة، متطلعين الى لم الشمل العالمي نحو غد أفضل.

إحدى إيجابيات هذه اللقاءات تنوع المشاركين وما يمثلونه من أطياف علمية وسياسية واثنية واجتماعية وثقافية وعقائدية مختلفة، هذا التنوع هو مدرسة بالفعل لمن يريد أن يسمع ويتعلم. أما أهم إيجابياتها فهو عدم الاستسلام للأمر الواقع، ورفض القبول بالظلم، و توحيد الجهود لإحداث التأثير والتغيير. ما أقلقني في المشاورات الأربع "أبوية مفروضة" بطريقة غير ديموقراطية تقلل حتما من تحقيق نجاح مستدام عميق وملموس في شتى المجالات.

حضر الاجتماع الأول، وهو السنوي، للجنة الدولية للسيادة على الغذاء، ممثلون عن منظمات معنية بالزراعة والسيادة على الغذاء، من 31 دولة. بحثوا خلالها أزمة الغذاء والتغير المناخي ودور المشاركين والأولويات التي سيتعاونون على فرضها على الحاكمية الدولية، التي ما تزال حبيسة مصالح الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات العالمية العاملة بإمرتها، كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي. ورغم أن هذه المواضيع تهم المجتمعات المدنية، إلا أن المقلق أن فئة قليلة من المجتمع المدني الأوروبي ولو عن حسن نية تحاول وبأبوية زائدة، السيطرة على بقية المشاركين من أنحاء المعمورة من خلال الاستئثار بوضع برنامج النقاش، أو باختيار من يترأس الجلسات، أو بتوجيه القرارات النهائية، ومع أن المجتمع المدني الأوروبي أصبح أكثر مساندة لنا، إلا انهم قد ينزلقون الى ازدواجية المعايير التي تتبناها حكوماتهم. فعندما وصلنا لتحديد الملفات التي سنعمل عليها كالإصلاح الزراعي والبحوث الزراعية وقضايا الشعوب الأصيلة، طلبتُ إضافة موضوع الحروب والاحتلالات والأمن الغذائي. وقد بينت كعادتي أن هذا الموضوع لا يخص منطقتنا بل الدول كافة وخاصة الدول الافريقية. حاول المنظمون الأوروبيون والعضو الأميركية إدراجه ضمن ملف الكوارث، فأسهبت في بيان الفرق بين الكوارث والحروب. الكوارث لا يمكن التنبؤ بها أو منعها، كما أنها دائماً تحظى بدعم عالمي كبير حيث تتهافت الدول على إرسال معوناتها للمناطق المنكوبة، بينما تطول أعمار الحروب والاحتلالات، ولا من يهز رمشه لمساعدة من يعيش او يموت في ظلها، ضمن تغييب كامل للقواعد كافة والحقوق والمسؤوليات. إن المساعدة ودعم المزارعين في مناطق الحروب تحتاج إلى بناء مستمر لقدرات الشعوب للحفاظ على أمنها الغذائي وموارد عيشها مع الحاجة لمواثيق أخلاقية تمنع استعمال الغذاء كسلاح حربي كما يحصل في حصار غزة.

وقد بينت للمجتمعين أن منظمة الأغذية والزراعة قد وافقت أخيرا على هذا الطرح وأصدرت نشرة في ملخص السياسات تعزز ما دأبنا على قوله في أروقتها منذ ثماني سنوات حتى الآن، وأعطت المنظمة جمهورية الكونغو كمثل على النزاعات طويلة الأمد حيث زادت نسبة الجوع من 29 % في عام 1992 إلى 75 % عام 2006. وقد اعترفت المنظمة أن مشاريع التنمية والإغاثة التقليدية لا تعطي نتائج ملموسة ويجب أن توضع برامج خاصة للبلاد التي تعيش تلك الظروف، وقد سعدت كثيراً لهذا لتحول، إذ كانت المنظمة تخاف من الخوض في موضوع الحروب والأمن الغذائي وتفضل الخوض فقط في موضوع الكوارث الطبيعية وكيفية مواجهتها حتى لا تقع في مطبات السياسة. وسعدت ايضا أنها -المنظمة الزراعية- ستخصص تقريرها السنوي لعام 2010 لبحث هذا الموضوع.

الاجتماع الثاني كان حول مشاورات دعت لها منظمة الأغذية، تستهدف إصدار خطوط توجيهية دولية حول حوكمة نظم حيازة الأراضي وغيرها من الموارد الطبيعية مثل إمدادات المياه والثروات السمكية والمراعي والغابات، وهو موضوع شائك وحساس خاصةً في البلاد النامية.

وكما يقول الخبراء فإن "ضعف الحوكمة يقف وراء العديد من المشاكل ذات العلاقة بحيازة الأراضي والموارد، وإن ضمان الوصول إلى موارد الأراضي يظهر بالتأكيد كشرط أساسي لتحسين وضعية الأمن الغذائي في حالة بعضٍ من أفقر المجموعات السكانية في العالم.

المفرح في اللقاءين السابقين أن ممثلي دول الجنوب وقفوا إلى جانب اقتراحنا، رغم تردد الأوروبيين والأميركيين، وأثنوا عليه وعرضوا مزيداً من الدعم لإيصال المزيد من أصوات المزارعين القابعين في ظل الحروب والاحتلالات إلى صانعي القرار والمنابر العالمية، فتحدثت ممثلة الهند عن قضايا كشمير وممثل صيادي الأسماك عن سيرلانكا وممثل مزارعي إفريقيا عن أهمية الموضوع لقارتهم والكثيرين غيرهم.

المشاورة الثالثة وقد عقدت في بيروت، وقد دعت لها المنظمة العالمية لدعم التنمية الزراعية "إيفاد IFAD" لمناقشة دراسة الفقر في المناطق الريفية وسبل مواجهته وسماع رأي الخبراء العرب، وقد عزمت على إقامة أربع مشاورات في مناطق متفرقة من العالم للتداول مع علماء مهتمين بموضوع الأمن الغذائي والزراعة.

إلى هنا الموضوع منطقي وعادل، ولكن ما يجعل الموضوع أقل براءة أن المكلفين بكتابة التقرير الأساسي، على كثرتهم، كلهم من شمال الكرة الأرضية (لم ألمح اسما عربيا واحدا)، وهم من فئة فكرية واحدة، يعتمدون على فرضيات لا نوافق عليها بالأساس، فمثلاُ هم يعتقدون أن المشاريع الزراعية الكبيرة وزراعة الوقود الإحيائي والأنماط الإستهلاكية المتزايدة، وزيادة العمالة المدفوعة الأجر في المشاريع الاستثمارية الزراعية التصديرية تساهم في خفض الفقر في المناطق الريفية، بينما نعتقد أن الأسواق المحلية التي تمكن المزارع الصغير من بيع محاصيله ومن الاكتفاء الذاتي هي الأقدر على محاربة الفقر في الريف. المهم أن المشاركين من منطقتنا العربية قد أبدعوا في بيان ضعف الدراسة وحاجتها إلى المزيد من المهنية والشفافية في التحليل والنصح.

المشاورة الرابعة وهي الأكثر قرباً من قلبي لكون محورها هو فلسطين، فقد كانت الأبوية فيها طاغية مع التأكيد أن ممارسيها هم مناضلون شرفاء مشهود لهم بالشجاعة والحكمة وصدق النوايا، ولكن مع هذا، فإن النوايا الطيبة والعمر المديد والخبرات الممتدة لا تكفي لكي تحول الفكر عملاً ناجحا مستداماً. إذا لم تكن شراكة حقيقية بين مختلف الأفكار والأعمار والخبرات التي تعمل ضمن ثوابت واحدة، فإن التغيير سيكون بطيئاً لا بل قد يكون عرضةً للفشل، النجاح يكون حتميا إذا احترم الساعون له الماضي ولم يقعوا في أسره، إذا تعلموا من أخطائه وتجاوزوه نحو المستقبل، إذا اهتموا بالتخطيط الاستراتيجي الديناميكي، وتعلموا من تجارب الشعوب الأخرى، معترفين بالحداثة وبأهمية استخدام العلوم و التقنيات الحديثة، إذا تواضعوا وخففوا من أبويتهم، والتحموا مع شعوبهم بطاقاتها كافة.

أتمنى أن نعي جميعاً أن الأبوية السياسية ساهمت في منع الكثير من المبادرات والبطولات والتضحيات الفلسطينية من الوصول بنفسها لتكون حركة تحرير مستدامة، وذلك طوال القرن الماضي وحتى اليوم وخاصة بعد ثورة 1936 وثورة 1965. أتمنى أن يتغير هذا الواقع سريعا، مع الاطمئنان الكامل أن روح الأمة لن تموت، ودليل ذلك نوع من التغيير الإيجابي في موازين القوى العالمية بتنا نلمسه مع متابعة التطورات في تركيا وإيران والمقاومة في لبنان وغزة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا (رزان زعيتر)

    الثلاثاء 27 نيسان / أبريل 2010.
    شكراد احمد واعترف ان كلماتك افرحتني مثل طفل صغير ينال هدية رائعة لم يتوقعها, وادعو الله ان يرزقنا صفاء البصيرة والقدرة على مواجهة الظلم اينما وجدنا وباية طاقة امتلكنا
  • »مثلك من يكتب هذا المقال (د. أحمد)

    الثلاثاء 27 نيسان / أبريل 2010.
    عندما رأيت اسمك على صفحات الجريدة نسيت كل مقال، متلهفا لقراءة مقالك، قرأت لك سابقا مقالات رائعة، مثلك من يكتبها، أنت فعلا مثال المثقفة العربية التي استولى عليها هموم القضايا العربية ونصرة الضعفاء والمسحوقين، شكرا لك وأكثري لنا من هذه المقالات.
    ودمتم بخير