محمد برهومة

"التركية" و"العالم" وفنجان القهوة

تم نشره في الجمعة 23 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

بداية هذا الشهر انطلقت القناة "التركية" الناطقة باللغة العربية، بحلّة أنيقة، ومواد خفيفة متنوعة، وتصوير سينمائي فرِحٍ، محاولِةً أن تحظى بموطئ قدم بين كمٍ كبير من الفضائيات المتكاثرة في المنطقة العربية. وتعوّل القناة على أن عدم طغيان الجانب الإخباري على برامجها وأنها قناة عامة، قد يكون ميزة تؤهلها لأنْ تنال القبول من مشاهد عربي انجذب قسم منه إلى المسلسلات التركية المدبلجة، وتحاول القناة الجديدة، على مايبدو، الدخول إليه من هذا الباب، أيْ بعيدا عن الخطاب المباشر، بل عبر الإصرار على "تقديم القهوة التركية لكل بلد عربي"، كما يرى المنسق العام للقناة سفر توران. والقناة فرصة للتعرف على الصورة التي تريد أنقرة أنْ ترسمها لنفسها، وتريد للإنسان العربي أن يعرفها من خلالها.

وطيلة أيام من متابعتي للقناة، تأكّد إليّ أن الحديث عن أنّ ابتعاد أنقرة عن الغرب يقابل اقترابها من الشرق ليست فكرة دقيقة، حتى وإنْ كان من يحكم تركيا اليوم هو "حزب العدالة والتنمية" ذو الجذور الإسلامية المعروفة. بل إنّ من يتابع برامج القناة "التركية"، ببرامجها الخفيفة، وفي حدود الانطباعات الأولية، يلمح كم يغيب أثناء المشاهدة عن خياله أن هذه الـ"تركيا" التي نراها عبر الشاشة ويتم الترويج لها والحديث عنها يحكمها حزب لا ينكر طبيعته الإسلامية. فـ "جُرعة" التحرر والانفتاح التي تسري في عروق القناة وبرامجها تدل إلى حد كبير جدا بأنّ تركيا الآتية إلينا، هي تركيا أوروبية، وليستْ تركيا عثمانية كما يريد الكثيرون من بيننا ويرغبون. ويؤشر على هذا الحضورُ الواضحُ لمصطفى كمال أتاتورك في برامج القناة التركية، وهو حضور يتراوح بين طيات الوثائقيّ والأحداث التاريخية والجولات الميدانية، بل لم تسلم منه برامج الأطفال أيضا.

وتركيا التي تحضر في القناة بالطبع ليست تركيا التي تقف موقفا سلبيا من الدين، إلا أنها ليستْ تركيا التي يحركها فقط المحدد الديني، وبمعناه الضيق تحديدا. بعبارة أخرى، تركيا التي يتم الترويج لها هي توليفة بين الكمالية والقومية والإسلام، وهي فكرة أغناها بحثاً ميشال نوفل في كتابه الأخير "عودة تركيا إلى الشرق" (2010). ورغم أنّ النخبة العسكرية التركية أدركت، كما يرى نوفل، أن تركيا تجاوزت "الكمالية"، فإن الحضور القومي القويّ، في القناة، يجعلنا أمام "نسخة تركية" مميزة للإسلام، إذا جاز التعبير. وهي نسخة تحضر فيها البراغماتية والحريات الاجتماعية والشخصية والعِزّة القومية، لتكتسي المرجعية الدينية ( في سياق التعددية والديمقراطية والحداثة والانفتاح) بلبوس من نوع خاص من الموازنة بين الهوية الفردية والجماعية والدين والعلمانية، وهو النموذج الذي نجح حتى الآن حزب "العدالة والتنمية" في تسويقه، ولا تذهب القناة في سياقات خطابها بعيدا عنه.

ولأنّ الدول ليستْ جمعيات خيرية، ولأنها لا تدفع ملايينها، في العادة، من دون حساب، فإن البعد الاقتصادي، لا يخفى على المشاهد المتيقظ لبرامج القناة، فالترويج لتركيا وللاستثمار والسياحة فيها لا تخطئه العين، وتركيا التي تبلغ فيها نسبة البطالة 14.5 % ونسبة التضخم 6.9 % بحاجة بالتأكيد إلى أسواق مجاورة لاستهلاك صادراتها، وهي بحاجة إلى هذا الجوار وخاصة مصالح الطاقة في العراق وإيران والخليج. ومن يعرف المنطقة يدرك أنّ الجمع بين هؤلاء الشركاء يتطلب جهدا كبيرا من التوازنات المعقدة للتوفيق بين كمٍ هائل من المتناقضات المشتبكة، وليس أقله ذاك التنافس العميق في الحقيقة بين أنقرة وطهران على النفوذ في المنطقة. والفارق بين أسلوبي ومنهجي التنافس بينهما هو الفارق بين قناة "التركية"، التي تعطيك الرسالة المطلوبة بعد "فنجان القهوة"، وقناة "العالم" الإيرانية، التي تقول إن "جلال" الإيديولوجيا الخشنة والخطاب الناريّ، مما لا يستوي التمهيد له بـ"فنجان قهوة"!!.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق