المؤسسات الكتومة وتقرير حقوق الانسان

تم نشره في السبت 17 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

يشكل تقرير المركز الوطني لحقوق الانسان أهم الوثائق المسؤولة التي تصدرها مؤسسات الدولة في مجال الرقابة العامة، علاوة على كونه وثيقة متخصصة في مجال حقوق الانسان، وهذا الإنجاز الذي يكرس استقلالية المركز وقدرة الأردن على بناء مؤسسات دولة مستقلة عن الحكومة وعن أمزجة النخبة السياسية الرسمية يفتح الباب واسعا أمام تكريس دولة القانون والمؤسسات بالفعل لا بالشعارات ويفتح المجال أيضا لإنهاء مرحلة طويلة من ثقافة التعتيم والتستر.

التقليد الذي يرسخه المركز الوطني لحقوق الانسان بالقدرة على إصدار وثيقة حقوقية راصدة للتعديات والتجاوزات في مجال حقوق الانسان بمهنية عالية وبموضوعية ومعايير تتجاوز في بعض المفاصل تقارير المؤسسات الدولية المحترفة، يكسر الحلقة التقليدية التي رسختها على مدى عقود نخب ومؤسسات كتومة كانت تختفي خلف مقولة كل شيء على ما يرام.

خلال السنوات الأخيرة أكدت تقارير المركز استمرار تراكم بناء الخبرة الوطنية في كسر حلقات المؤسسات الكتومة، وحاجة البلاد الى ثقافة حوار المؤسسات والمكاشفة المسؤولة، حيث أصبحت هذه التقارير مرجعية حقيقية تستحق الاحترام. فكما فعلها المركز في المراجعة الجريئة لانتخابات 2007 ولملف الحريات الإعلامية وتقييم قانون الحق في الحصول على المعلومات يكشف اليوم مسار تطور الحريات العام وحصاد عمليات التوقيف الإداري ويدعو الى إنشاء اتحاد عام للطلبة، ويضيف معايير جديدة لتقييم حالة حقوق الانسان أهمها الحق في التنمية انطلاقا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات.

ما يفعله المركز الوطني وحيدا يؤكد مدى حاجة الدولة والمجتمع الى مؤسسات نابهة تكسر هيمنة ثقافة التستر التي تعد الحلقة الأولى في درء مخاطر الفساد والتعسف في استخدام السلطة وفي استرخاء الدولة أيضا.

في المجتمعات المتحولة كما هو الحال في الأردن يتعلم الكثير من الموظفين الكبار حساسية مفرطة في التعامل مع الوقائع، فهم دائما مسكونون بهاجس ان كل شيء على ما يرام ، فيما تفتقد المؤسسات حاسة القدرة على مراقبة واكتشاف مصادر التهديد أو الوقوف عند مؤشرات الأزمات أو المشاكل، ليس لسبب أكثر من الرغبة في التستر، لعل الأمور تمشي وكأن شيئا لم يحدث.

الرغبة في إيهام السلطة الأعلى بصلاح الأحوال وسلامة الأمور تزداد أكثر حينما تصبح على مستوى الإدارات الكبيرة والعليا، كما هي الحال على مستوى المؤسسات العامة شبه المستقلة وكذلك المحافظات، ألم يحاول العديد من المحافظين اخفاء ما يدور حولهم إلى أن ازدادت الفجوات في كل شيء، وأحيانا كادت الأمور تصل حد الانفجار. وبالمناسبة هذا ما يذكرنا بالاحتجاج العنيف أو أحداث 1989 التي انطلقت من مدن الجنوب الأردني، ونقرأها اليوم بشكل أكثر علمية وموضوعية على اعتبار أنها أكبر عملية احتجاج شبه منظم شهدتها البلاد في تاريخها، ساهمت فيها بشكل مباشر ثقافة التستر لدى المسؤولين على مختلف المستويات، إما في عدم نقل الحقيقة حول أوضاع الناس والاتجاهات التي تذهب نحوها الأمور أو في تجميل الصورة وحصد أمجاد في صراع النخب والأدوار.

وكما تتحمل المؤسسات الجانب الكبير في مسؤوليتها عن هذه الظاهرة، يتحمل النظام الإعلامي السائد مسؤولية كبيرة في طريقة تعامله مع الشأن العام، وفي ترسيخ هذه الثقافة، بينما يبقى الحديث عن الشفافية ومنظومة النزاهة ومتطلباتها مجرد حديث احتفالي لا أكثر، وربما أداة من أدوات التستر ودعم النخب والمؤسسات الكتومة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق