المرأة "الطالق" والمرأة "الطالئ"!

تم نشره في السبت 17 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

ليس مطلوباً دائما من المؤمن العادي، المغلوب على أمره، أن يكون خبيراً في كل شيء، متبحّراً في كل فقه، ومحيطاً بكل علم؛ فالدين كما ورد في الحديث ييسر له آخر الأمر ما استعصى عليه بأن "يستفتي قلبه"!

وقلب المؤمن دليله وهاديه، فما اطمأن له ووجده يقارب المنطق والعقل، فهو الصواب، وما جافى ذلك ونفر منه قلب المؤمن، ولم يطمئن له عقله، فهو مريب، والمؤمن من ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه!

وهنا، في هذه المساحة بالضبط، أي ما يريب وما ينفر قلب المؤمن، تقع هذه الفتاوى التي حفلت بها وسائل الإعلام في السنتين الأخيرتين، منسوبة لعلماء كبار ولمحافل إسلامية مهيبة، أحياناً، كالأزهر!

وهي فتاوى مختصة بعلاقة المرأة والرجل، وليست مجازفة أبداً القول بأنها "تتسلّى" بهذه العلاقة!!

فمن فتوى إرضاع الزميل، التي لا يستقر لها عقل عاقل، ولا يرضاها قلب مؤمن أو حتى كافر، إلى فتوى تحرم على الرجل الواقف في الباص أن يجلس مكان امرأة أخلت مقعدها إلا بعد مرور عشر دقائق، يكون فيها المقعد قد خلا من حرارة جسمها!

وربما كان في تفاصيل الفتوى ما يفرق بين مقاعد الجلد والحديد، وبين مقاعد المترو وباصات النقل العام، وبين مقاعد الدرجة الأولى والثانية!

وهي فتوى تنكر عقل الإنسان وقلبه وطيبته، وتتجاهل هموم ذلك العامل المهدود الواقف منهكاً وجائعاً في الباص، وتضعه في مربع واحد فقط: الذكر المفترس الذي لا يفكر إلا بتلك المرأة المسكينة كصيد أفلت من يديه !

كما تضع هذه الفتوى المرأة في مربع وحيد أيضاً هو: الوجبة الشهية التي لا نأكلها فقط لاعتبارات الحلال والحرام، ولا تتعامل معها كإنسانة ولا كعقل أو كسيدة صاحبة أمرها!

كما الفتوى الأخيرة التي حرّمت على المرأة الجلوس أمام الفيسبوك من دون محرم، كأنما هي قاصر تحتاج وصياً عاقلاً وناضجاً وراشداً حتى لو كان أصغر منها بعشرين سنة... مثل ذلك الطفل الذي يخرج محرماً مع أخته وخطيبها لحمايتها من نفسها!

لكن الفتوى التي خرجت مؤخراً في اليمن والسعودية كانت أقسى هذه الفتاوى، وأكثرها افتقاراً للإنسانية، فبعد أن ثار الجدل طويلاً حول تزويج الطفلات الصغيرات، واللواتي لا يتجاوز عمر الواحدة منهن أحياناً العاشرة أو الثانية عشرة، وبعد الاحتجاجات المحلية والعالمية، وتدخل منظمات حقوق الإنسان، ووفاة بعض الصغيرات بعد زواج متعسف من رجال لا يليق بهم أن يعيشوا خارج الغابات، خرج الحل العبقري من بعض العلماء هناك فأفتوا أنه يجوز زواج الطفلة بهذا العمر إن كانت "قابلة للوطء"!

والوطء مفردة من قاموس الفقه الإسلامي تعني ممارسة الجنس، فمن هو الذي سيقوم هنا على التيقن من وقوع الشرط، ومن هو الذي سيحدد إن كانت الطفلة "قابلة"، وما المقصود بـ"قابلة"، وهل يكفي أن يقول الأب، وهو الجاني الحقيقي والأول في أغلب هذه المجتمعات، إن ابنته "قابلة للوطء" ليصير هذا الزواج صحيحاً؟!

مؤسف أن يظلّ البعض مؤجراً عقله لمن يشوهون روح الإسلام، ومبايعاً أمره لمجموعة من الناس تستمد شرعيتها من وصايتها على الدين، واحتكار الحديث باسم الله، واستبدادها بحياة المرأة باسم الشرع والدين، كأن الشرع لا عمل له إلا تعقب هذه المرأة وتصيّدها، وترقب زلاتها، فهي متهمة دائماً ومشكوك فيها حتماً ما لم تثبت براءتها، وغالباً ما تقضي عمرها وهي تحاول إثباتها!

والمؤلم في الأمر أن سطحية هذه الفتاوى وغرابتها، تشير إلى حجم الفراغ والبطالة الفكرية التي أصابت هذا الرهط من العلماء، إلى حد أن يخرج مفتي الأزهر علينا مؤخراً بفتوى تقول، إن الطلاق كي يكون صحيحاً يجب أن يكون بكلمة "طالق" حرفياً، ولا يصحّ بكلمة "طالئ"، التي تلفظ فيها "القاف" مخففة، كما اللهجة المصرية أو المجتمعات المتمدنة، التي تحرمها هذه الفتوى من حقها في الطلاق!

ولا ينتبه سماحته هنا أبداً لما يسمى في الإسلام "توفر النية"، وأن أغلب الفرائض والسنن تكتمل بمجرد توافر النيّة، كما لا ينتبه أنه يلغي فتوى سابقة، لا أتذكر إن كانت له أو لغيره من جهابذة الإفتاء، تجيز الطلاق بواسطة الرسائل القصيرة، "المسجات"، والإيميلات، كما أنني أتساءل جاداً كيف يُطلّق الأخرس إذن، وهو الذي لا ينطق "القاف" مفخمة ولا مخففةً، وكيف يُطلّق الهندي المسلم الذي لا يجيد العربية؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فتاوى أخرى (أبو مناف)

    الأحد 18 نيسان / أبريل 2010.
    ما قولك بفتاوى أخرى سمعتها وأنا في اليمن وهي التحريم على المرأة غسل الخيار ، وتقشير الموز وحلب ضرع البقرة
  • »كلمة حق (يوسف الصوباني)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    انت تركز على اخطاء العلماء وهي بالفعل ليست اخطاء لآن الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا تزوج عائشة وهي في التاسعة من العمر وكانت نعم الزوجة وكانت من اهم الصحابة الذين نقلوا الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وانت اعتبرت من يفتي بالزواج من فتاة عمرها 12 سنة فتوى غير صحيحة.
  • »اعتناء و اهتمام الاسلام بالعقل و التفكر (ماهر شحاده)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    شكرا لكاتبنا على طرحه الجميل ومناقشة فكرة الفتوى الامنطقية واللاعقلانية و ما تسببه من اشكاليات خطيرة في حياتنا .

    فانا لا اعتبر من يلتزم ويقع في حفر الاخطاء الافتائية ما هو الا تقليد اعمى فكري وعقائدي دون تشغيل العضو الذي كرم الله به بني ادم عن غيره من الاحياء والمخلوقات ، الا وهو العقل و التفكير .

    ان ما نشاهده في هذا العصر الذي اصبح فيه الحليم حيرانا ، عندما نتحدث عن الإسلام وثقافة تحرير العقل والفكر، أو بمعنى آخر: منهج الإسلام في تحرير العقل والفكر، يجب أن نضع في الاعتبار أن الإسلام حرر الإنسان من أغلال الحجر العقلي، ورباه على حرية الفكر واستقلال الإرادة، كما حرره من أصفاد الجهل وظلمته، لأن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر، ويميت عناصر الحياة والقوة في الأفراد والأمم، كما أنه دعاه إلى عدم طاعة الأهواء، والانقياد الأعمى.
    وعبر هذه السطور سنحاول أن نوضح كيف واجه الإسلام الحجر العقلي:
    - في مواجهة الحجر العقلي
    لقد حرر الإسلام الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء المقيتة، ورباه على حرية الفكر، واستقلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله، ويستقيم تفكيره، وتكتمل له شخصيته وإنسانيته، فإن كمال العقل، واستقامة التفكير، واستقلال الإرادة، هي أسس صحة العقائد، واستقامة التدين، ورقي الأخلاق، ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل الذي يجب أن يجتنب، وقد أشار إلى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حينما قال: "ما اكتسب رجل مثل فضل عقل، يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ضلال" [متفق عليه].
    فالإيمان لا يتم عند الإنسان، وكذلك الدين لا يستقيم، حتى يكمل العقل، وقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى.
  • »هناك اشد لعنة (علي)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    يا اخي متعارف عليه ان ليس كل مسلم قادر وله الحق ان يفتي .. فما بالك بالذي يرد على المفتين وهو بعيد كل البعد عن قدرته على النقد ... امور الدين ليست نصوص ادبية يكتب عنها ... الاختلاف وارد ولكن متروك لمن هم في نفس المستوى فقط للرد على الفتاوي الغير واضحة او فيها شك... امل ان اقرا ردك) على سؤال الاخ مغترب من الكويت
  • »من سيوقف هذه الفتاوي المسيئة للإسلام والمسلمين (د.عاصم الشهابي)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    شكراً لكاتبناإبراهيم جابر إبراهيم الذي تحدث عن ظاهرة الفتاوي التي تتنافى مع العقل والشرع الإسلامي وتسئ الى ديننا الحنيف ولكافةالمسلمين في العالم، وهنانسأل أين علماء ومفكرين المسلمين ليقفوا بحزم ضدهؤلاء الذين يتكلمون عن أهوئهم الخاصةوليس عن علم بدقة وعظمة الشريعةالإسلامية .
  • »مقال رائع (ايمان)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    شكرا كثير على المقال الرائع وتسلم ايدك وفعلا لو في بلدنا 10 زيك كان وضعنا بخير وكان ممكن تعملوا فرق وتغيرو كثير من افكار التخلف والجهل.
  • »الله يحيي أصلك (مغترب)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    بسم الله الرحمن الرحيم

    أشكرك جزيل الشكر لطرح مثل هذه المواضيع التي لطالما قد يصدقها العديد من الناس و خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي لا يتقبلها عاقل.

    و أرجو يا سيدي لو تكرمت من الكتابة عن الرسائل الإلكترونية و التي تنتهي بجملة أستحلفك بالله أن ترسلها و غيرها .. إذ أن العديد من النا لا يعرف ما تحتوي ... و هناك العديد من التحريفا التي قيلت عن رسولنا الحبيب المصطفى .. أرجوا التحذير لمثل هذه المواضيع إذ إن واضيعيها هم من أشخاص لا يمتون للإسلام و لا لأي دين سماوي، و إنما فقط للتشويه.

    و الشكر الجزيل.
  • »مش معقول (سلمى ابو يحيى)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    وفي المحصلة لا خلاف
    طالما ان هناك منفذا اسمه:
    استفت قلبك وإن أفتوك !!!
  • »المصيبة في فتاوي اهدار الدماء (جهاد العلي)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    يعيش العالم العربي والإسلامي هوجة من فوضي الفتاوى التي لا تكاد تخرج عن نوعين من الفتاوى. الفتاوى التي تسخف الإسلام مثل الفتاوي التي ذكرتها مثل فتوى رضاعة الرجل الكبير ، والنوع الأخر فتاوي إهدار دماء عباد الله، التي هي المصيبة الحقيقية ، والحل يكمن في أمرين أولهما في تجريم إصدار شيوخ القطاع الخاص لفتاوى إهدار الدماء، أوتكفير الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعلمانيين، وغير المسلمين، والتحريض على العنف والإرهاب وحصر الفتاوي الدينية البحته في المؤسسات الرسمية، والجزء الثاني من الحل تثقيفي وتعليمي للشعوب العربية التي هي بأمس الحاجة لمرونة فكرية ودينية للتكيف مع روح الحقبة التي تعيشها،حقبة حقوق الإنسان،والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ففي مناهج التعليم وكتب الفقه علينا مراجعة كل ثوابتنا وعرضها على محكمة العقل،وكل ما يقره العقل السليم، وأكرر العقل السليم،لا العقل المتأسلم السقيم، العائش خارج الزمان والمكان،الهارب من الواقع وإحباطاته،إلى الخيال وأحلامه وتخيلاته، نقر ما يقره العقل لصالح الإسلام والمسلمين،وجميع عباد الله و من هم أخوة لنا في الآدمية.
  • »مقال رائع (رنا)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    أتفق معك 100% و أحييك على هذا المقال
  • »راااااااااااااااااائع (عاشقة الاردن)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    اشكر الاستاذ ابراهيم جابر على هذا المقال الرائع والذي قد اصبح نادرا في هذا الزمان من يقف مع المرأة ويناصفها ويحفظ لها كرامتها التي وهبها لها الله سبحانه وتعالى والتي اصبحت فقط مجرد سلعة مسلية يستحوذ عليها كل من يحمل بين ضلوعه قلب ضعيف الايمان ونفس مرسضة خالية من المشاعر والذين نسو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفقا بالقوارير)
    جزاك الله عنا خير الجزاء
  • »ماذا يريد الكاتب؟ (م محمد طلافحه)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    هل هي فرصة للتشهير بالدين الاسلامي وعلماؤه المخلصين؟ وهل اصبح اساس مشاكلنا الاجتماعية بعض الفتاوى التي ليس لها اذن صاغية وان وجدت فهي معدودة لا تحسب على اصابع اليد الواحدة؟ الكاتب كان عليه ان يجدف في بحر اخر ليضع اللوم عليه ! وشاء ام ابى سيجد هو ونحن ان لا مصحح للفوضى التي نعيش الا بالمنهج الاسلامي النبوي الذي اصلحنا سابقا. واذا كانت نية الكاتب صادقة ومخلصة فليعطينا دراسات علمية ومنهجية عن اسباب امتهان المراة ثم نناقشه الامر.
  • »divorce (kul khair)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    Jazak Allah Khair Mr. Ibrahim for sharing ur opinions and thoughts with us . we should have more men like u to defend us.
  • »"توفر النية"،= humanity = perfect heart (mohammad)

    السبت 17 نيسان / أبريل 2010.
    مؤسف أن يظلّ البعض مؤجراً عقله لمن يشوهون روح الإسلام، ومبايعاً أمره لمجموعة من الناس تستمد شرعيتها من وصايتها على الدين، واحتكار الحديث باسم الله، واستبدادها بحياة المرأة باسم الشرع والدين، كأن الشرع لا عمل له إلا تعقب هذه المرأة وتصيّدها، وترقب زلاتها، فهي متهمة دائماً ومشكوك فيها حتماً ما لم تثبت براءتها، وغالباً ما تقضي عمرها وهي تحاول إثباتها!
    ...@@...بارك الله فيك ، وجُزيت خيراً يا أستاذ إبراهيم