بين العروبة والقومية العربية

تم نشره في الجمعة 16 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

أرادت الدائرة الثقافية الجديدة في الجامعة الاردنية أن تبدأ باكورة نشاطها الواعد على مدار العام، بأن تستضيف شخصية أكاديمية وأدبية ودبلوماسية تجمع حولها المعنيين في كل هذه المجالات، فاختارت المؤرخ والروائي والسفير اللبناني في القاهرة د. خالد زيادة ليتحدث عن موضوع يعني النخبة الاردنية، الا وهو روايته "حكاية عن فيصل" التي صدرت عن دار النهار في بيروت 1999 .

وكان د. زيادة قد برز قبل ثلث قرن بدراساته الجادة عن التاريخ المحلي الذي يعتمد على سجلات المحاكم الشرعية، ولكنه اختلف عن زملائه في هذا المجال بموهبته الادبية ورغبته في توصيل معرفته العميقة بالتاريخ من خلال الرواية. وهكذا بعد ثلاثيته عن مدينته طرابلس جاءت روايته عن فيصل بن الحسين.

وقد اعترف د. زيادة أن هواه مع فيصل قد تشكّل خلال مقاعد الدراسة وتعمق ذلك خلال دراساته الجامعية وأبحاثه اللاحقة، ما دفعه ذلك أخيرا الى كتابة تاريخ روائي عن فيصل يمثل رؤيته كمؤرخ باعتباره الرمز الابرز في الثورة العربية. ومع أن د. زيادة يعترف الآن أن كل شخصيات وتفاصيل الرواية حقيقية مأخوذة من المصادر الا أن الرواية باعتبارها رواية تركز على المصائر الانسانية كان لا بد أن تركز على السنوات الدرامية التي تبدأ بجموح المشروع العروبي في 1916 وتنتهي بهزيمته في ميسلون 1920 .

ومع أن النقاش كشف عن أن الحاضرين الذين غصّت بهم القاعة لم يقرأوا هذه الرواية، باستثناء مقدم الضيف د. زياد الزعبي الذي اعترف بأنه قرأ الرواية قبل يومين فقط لاجل هذه المناسبة، إلا أن الاسئلة التي أثيرت حولها والاجوبة عنها عوّضت هذا النقص وجعلت القاعة تستعيد مشروع الثورة العربية وما انتهى اليه.

ومن هذه الامور التي لفتت الانتباه تركيز د. زيادة على التمييز بين العروبة التي حملتها الثورة العربية ومثّلها الأمير/ الملك فيصل وبين القومية العربية التي أصبحت لاحقا ايديولوجية لبعض الاحزاب. وفي هذا السياق رأى د. زيادة أن العروبة كما عبرت عنها الثورة العربية كانت أصيلة وجامعة بفضل شخصية الملك فيصل التي كانت تجمع ولا تفرق على عكس القومية العربية التي استمدت أفكارها من بيئة أخرى (أوروبية) وتحولت الى ايديولوجية تفرق ولا تجمع.

ويبدو أن المصادفة فقط هي التي جعلت الندوة تأتي في السابع من نيسان، الذي يصادف ذكرى تأسيس حزب البعث العربي (الاشتراكي لاحقا) في 1947 ، الذي اختلف فكره وموقفه من العروبة التي حملتها الثورة العربية مابين جيل التأسيس وجيل الوصول الى الحكم، وبالتحديد مابين يمين ووسط ويسار الحزب.

ولكن الصدفة التاريخية أيضا هي التي جعلت هذا الحزب يصل الى الحكم، بالتعاون مع الضباط الناصريين في الجيش، في 8 آذار 1963 ، أي في اليوم الذي كانت تحتفل فيه سورية كل سنة باعلان استقلالها وانتخاب الامير فيصل ملكا دستوريا عليها من قبل المؤتمر السوري العام الذي مثّل كل بلاد الشام. وهكذا فقد غطى هذا الحدث، الذي جاء باسم الانقلاب على الانفصال واحياء الوحدة، على الاحتفال التقليدي بـ 8 آذار على حين انه منذ 1964 لم يعد يذكر 8 آذار الاصلي وانما 8 آذار الجديد.

وربما كان هذا مفهوما آنذاك في اطار الحماس للتغيير والوعد بإحياء الوحدة بين سورية ومصر وضم العراق الى "الاتحاد الثلاثي" ، ولكن الامر انتهى الى غير ذلك وخسرنا بذلك الاحتفال الجميل الذي كان يقام كل عام في 8 آذار الاصلي.

مع اقتراب الذكرى المئوية للثورة العربية وإعلان الحكومة العربية في دمشق وصولا الى اعلان الاستقلال في 8 آذار 1920 ، ومع المراحعات التاريخية التي تتم في المنطقة، نأمل أن تشمل المراجعة العلاقة بين العروبة والقومية العربية وأن يتسع 8 آذار في المستقبل ليضم المناسبتين.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق