د.باسم الطويسي

الانتخابات والدولة الرخوة

تم نشره في الأحد 11 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

يشترك السودان والعراق بسمات متشابهة في حالة الانتخابات ونتائجها التي جرت والمنتظرة، رغم الاختلافات الكبيرة في ظروف البلدين، فالسمة المشتركة الواضحة تبدو في ضعف بنية الدولة وعدم قدرتها على إقناع مواطنيها حينما تعجز عن حماية مصيرهم الإنساني والسياسي.

شهد العراق انتخابات تشريعية أعادت تدوير السياسة الوطنية مجددا، وينتظر ان تعيد تدوير التحالفات الجديدة وفق قدرة القوى الإقليمية والدولية على التأثير في الكيانات السياسية المحلية.

خرائط التحالفات العراقية تختلف عمليا عن خطوط التماس التي شكلت وفقها التحالفات التاريخية التي صاغت التغيير بقوة الاحتلال. وكأننا قد نقترب من استنتاج في خلاصة الخبرة العراقية أنه لا يوجد فرز قومي واثني أصيل في العراق، كما انه لا يوجد فرز سياسي طائفي أصيل، بل إن الدولة رخوة وغير مقنعة لمواطنيها الذين نجدهم على استعداد لملء الفراغ مرة بالاثنيات وأخرى بالطوائف.

ومن المنتظر ان يشهد السودان اليوم الأحد انتخابات أخرى تثير في هذا الوقت نقاشات مبهمة أيضا، بعد ان أعلنت بعض القوى السياسية الرئيسة مقاطعة الانتخابات، حيث دخلت البلاد على مدى سنوات في حروب أهلية تحت وطأة صراع الهويات والاثنيات والأديان أيضا، وهي الصراعات التي تشكل خلفية مشهد الانتخابات الراهنة والتي تفتح الأفق السياسي السوداني أمام مستقبل غامض، خلاصته ان بنية الدولة القائمة لم تعد مقنعة لمواطنيها بعدما فشلت على مدى سنوات في حماية أمنهم الإنساني الأساسي.

المشكلة المعقدة ان الانتخابات في نماذج الدول الرخوة لا تقود الى إحداث إصلاحات حقيقية، ولا تقلب الأرض لتخرج ما في بطنها، كما يريد أنصار الفوضى البناءة، بل عمليا تزيد المشهد تعقيدا وتضعف بنية التكامل والاندماج الرخوة أصلا على الرغم من ثقل الممارسة الانتخابية باعتبارها الممارسة المركزية في مسار التحول الديمقراطي.

في عمق الخطابات التي تنتجها التيارات والقوى والرموز التي تدير الأزمات والصراع في المنطقة العربية تبدو الهوية المربع الأول الذي يفسر كل المربعات الأخرى.

الانتخابات تحت وطأة هذه الظروف تكشف حقيقة ان الهوية ليست المقدس السياسي الذي يتنازعه الجميع، بل تبدو الهوية مجرد أداة، وليست هدفا بحد ذاته، لما تملكه من قوة في التوظيف السياسي العابر للحدود والتيارات والأمزجة.

المشكلة تبدو في واحد من ملامحها في المناخ الذي وجدت قوى التغيير الديمقراطي نفسها في وسطه، الأمر الذي حول الديمقراطية إلى أداة تتجاذب من خلالها المصالح والأجندات السياسية المتناقضة والمتصارعة، نلاحظ بكل جدية كيف تضرب موجة الانتخابات العربية بشكل سافر أنوية التحول الديمقراطي الأصيلة والطارئة، ذات التقاليد الراسخة والأخرى الجديدة.

يكفي أن نراجع خريطة التفتت والصراعات والانقسامات في الأحزاب المصرية من حزب الوفد العريق إلى التجمع وصولاً إلى حزب الغد. نلاحظ كيف أعادت الانتخابات اللبنانية الطائفية السياسية مرة أخرى. نلاحظ كيف تُبنى الديمقراطية العراقية على التصفيات المتبادلة والثأرية، التي يشارك فيها الجميع من دون استثناء، وكيف نبتت لهذه الديمقراطية أسنان تأكل أبناءها قبل أن ينبت لها لسان تتكلم به وتحاور من خلاله.

وفي العمق، تبدو كم هي فكرة الدولة الوطنية مشوشة وغامضة في هذا الجزء من العالم؛ حتى أصبحنا اليوم في أبعد نقطة عن الوصول إلى الدولة الوطنية الديمقراطية، فمنذ ستة عقود لم يكن مستقبل الدولة في العالم العربي بهذا الحجم من الغموض والارتهان إلى خيارات معظمها خارجية، والداخلية منها أبعد ما تكون عن نضوج فكرة الدولة في وعي المجتمع السياسي قبل العامة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق