الاعتراف بجرائم الحرب كمؤشر حضاري

تم نشره في الجمعة 9 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

ماحدث في البرلمان الصربي في نهاية الأسبوع الماضي، له دلالة كبيرة على التحولات الجارية في البلقان، التي يمكن أن تعني شيئا للشرق الاوسط أيضا. فقد نجحت الحكومة الائتلافية في تمرير قرار يدين لأول مرة "الجريمة" التي اقترفت في سربرنيتسا بحق سكان هذه البلدة المسلمة التي كانت تحت حماية الامم المتحدة والتي راح ضحيتها حوالي 8 آلاف قتيل. وقد رحبت الصحافة الاوروبية بهذا القرار حتى أن الصحافة الألمانية رأت فيه مؤشرا على نضج صربيا، وبالتحديد على تحول صربيا من عقلية دولة محاربة تتنصل من مسؤوليتها عن الجرائم التي ارتكبتها بحق الآخرين الى أمة مسؤولة أو تعي مسؤوليتها ولديها الشجاعة أن تعترف بما ارتكبته بحق الاخرين.

لقد جاء هذا الاعتراف في الوقت الذي كانت فيه اللجنة الدولية للمفقودين تعلن آخر مالديها من معطيات عن ضحايا الحرب في البوسنة 1992-1995. فعلى الرغم من مرور 15 سنة على نهاية الحرب، وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلت في الكشف عن المقابر الجماعية والكشف عن الضحايا، لم يتم التعرف سوى على 6414 ضحية من سكان بلدة سربرنيسا التي اجتاحتها القوات الصربية في تموز 1995 لتقتل كل سكانها المسلمين الذين كانوا يعدون حوالي ثمانية آلاف نسمة. وعلى الرغم من التعرف على حوالي مائة الف ضحية من ضحايا الحرب في البوسنة إلا أنه ما يزال يوجد حوالي عشرة آلاف مفقود لايعرف عنهم شيء، أي أنه ماتزال لدينا عشرة آلاف أسرة تعيش على الأمل في التوصل الى أي شيء عن مفقوديها.

وبعبارة أخرى لقد جاء الاعتراف الصربي باسم الأمة (البرلمان) بهذه الجريمة في وقت ماتزال جراح الحرب نازفة، ولذلك فانه جاء أخيرا ليمتص مشاعر الضحايا وليفتح الباب أمام الاطراف الاخرى لتعترف بجرائمها أيضا.

أما في دلالة ذلك على المشهد البلقاني، فيكفي أن نعرف هنا أن الحكومة الائتلافية في صربيا التي قدمت مشروع هذا القرار إلى البرلمان تتألف من تحالف "الحزب الديمقراطي" مع "الحزب الاشتراكي الصربي"، الذي كان على رأسه الرئيس السابق سلوبودان ميلوشيفتش، الذي كان يعتبر مسؤولا عن انجرار صربيا الى جرائم الحرب في البوسنة وكوسوفا. وبعبارة أخرى أن تصويت نواب "الحزب الاشتراكي الصربي" على هذا القرار، يعني ما آل اليه التخلص التدريجي للحزب من تركة ميلوشيفتش الثقيلة، وبالتحديد من الايديولوجية القومية الصربية التي لاتعترف بما سببته للآخرين من مصائب.

ومن ناحية أخرى فقد كان هذا القرار باسم البرلمان متوقعا بعد أن تقدمت صربيا في أواخر 2009 بطلب انضمام إلى الاتحاد الاوربي الذي كان يشترط عليها "التعاون التام" مع محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في لاهاي، التي تعتبر أن ما حصل في سربرنيتسا "جريمة حرب" وبالتحديد "جنوسايد" (إفناء جماعي) ضد المسلمين، وبالتالي فهي تطالب صربيا بالتعاون لاعتقال الرأس المنفذ الجنرال راتكو ملاديتش بعد أن اعتقلت في العام الماضي الرأس المؤدلج رادوفان كاراجيتش.

أما أهم ما في الموضوع فهو انعكاس ذلك القرار على البوسنة والبلقان. فمع هذا القرار، الذي شكّل صدمة للأوساط القومية الصربية، برزت بوضوح مسافة كبيرة بين"جمهورية صربيا" كأمة أو كدولة مسؤولة وبين "جمهورية الصرب" في البوسنة التي ماتزال تعيش في الماضي وتتصرف كـ "دولة محاربة" تنفي عن نفسها أية مسؤولية عن جرائم الحرب وتلقي مسؤولية ذلك على الأطراف الاخرى.

ومع هذا القرار ينفتح الباب على الأطراف الأخرى في البلقان، لتعترف بمسؤوليتها أيضا عما حدث من جرائم في حروب يوغسلافيا السابقة، وبالتحديد للتخلص من "العقلية البلقانية" التي تتصرف دائما على أساس أنها الضحية فقط وليست المسؤولة عما يحدث للاخرين. فبسبب هذه العقلية (دور الضحية) كان لدينا في البلقان استعداد دائم للحرب للانتقام من الآخر!

mm.arnant@alghad.jo

التعليق