عيسى الشعيبي

حرائق في بروج الطين

تم نشره في الجمعة 9 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

يقول الفتى الذي اعتاد أن يتناول نخبه الأول من صنف الشراب المميز في حفل العشاء، وينتخب مقعداً لنفسه قريباً من مجلس النجوم اللواتي لا يمشين هوناً على الأرض، ويعقد الرهانات، وهو واثق من الفوز سلفاً، ويلعب على المائدة الخضراء من دون انجراف بعد أن يطلع على أوراقه الخمس جيداً: اكتملت لدي عدة الاعتراف بسطوة أول الحب، وبحكمة آخر الحرب، تيقّنتُ من قدرتي على البوح من دون تمهيد طويل، وعلى قراءة العظات الثمينة لجلجلات هذين المستبدين الغاشمين، وأتقنتُ مناجاة الحمام وتوزيع المقام.

ولست يوسف الذي رأى الشمس والقمر له يسجدان، ولا أنا أكشف الطالع في الرمل ولا أقرأ الفنجان، غير أنني كنتُ أدرك أن الفاتنة التي كانت تستقطب الاهتمام، وتدور من حولها الكؤوس دورة الفراش المغرم باللعب في النار، كانت تشتعل في بروج روحها الحرائق، كانت تحت قوس شفيف من الاحتشام، داخل نصف قطعة من الدانتيل المعرّق، تفيض بالبياض، تمنع نفسها عن الشراب الذي تشتهيه، عن الدواء الذي يشفي قلبها من العذاب، عن التقدم خطوتين أخيرتين إلى الأمام.

يقول الفتى الذي استبد فجأة به الكلام: اكتسب معدني الخصوصي مناعة ضد الرصاص، ضد حمى المناجم والأيائل وبورصة المال، استعدتُ أهلية العَقدِ والحل، قوة الإبراء وصلابة الماس. غير أنه اصطادني في نهاية المآل فخ الحنين الذي تجنبت الوقوع فيه، حاصرتني رفوف الحمام، شدت على عنقي وثاقاً من حرير، أيقظت في المواجع والكلام، فأعدتُ سيفي إلى غمده وطويتُ راية الاحتراز من دون أعذار.

ويقول الفتى الذي يعلم أن الألماس وحده يقطع الألماس، وأن الدماء أشد كثافة من الماء، وأن مكة لم تدخل إلى عباءة النبوة في ليلة واحدة، وأن القلاع التي لا تسقط تحت وطأة الحصار قد تؤخذ بضربة سيف غادرة: آن لي أن أقبض الفرس الحرون من الأنف، أن أقص ذؤابة الكستناء قصاً مستقيماً فوق الجبين الموزع باعتدال بين البياض الشهي ولون النبيذ، أن أرفع الحجاب الشفيف عن الهشيم، عن الرماد الذي خلفته النار، أذرته الحرائق في بروج الطين.

آن لي انتزاع الاعتراف من قامة الكريستال التي منحتها من لدنّي شهادة بالقداسة، وأضفيتُ عليها من شمائلي آية فوق آية، ووشحتها بسيف طويل من ذهب، وفوضتها أن تخوض في دمي حتى الركب.

ويختم الفتى الذي ملّ من رفض سيدته الوحيدة للشراب الذي تشتهيه، من احتباسها الطويل داخل الشعاع واحتراقها البطيء، وانقطاعها بين نزعتين كبيرتين للفرار ونزعة للهجوم الضئيل: أُيمم وجهيَ الآن شطر النار التي تضطرم في الهواء الطلق، باتجاه المنبر الغربي، أملأ جناحي بالريش، أشارف النجم الذي يدور في مدار قريب، يحط فوق القباب، بكمين طويلين وياقة عالية من عذاب، لارتجال القصيد والإصغاء جيداً لرجع الهديل الموجع مع الحمامة المعذبة في سربها الجميل، لإنشاد ما تمليه فورة الحياة في الزفير الأخير، للشروع في هجوم تقريبيّ رصين، يثير الأيائل من مكامنها، ويبث الاضطراب في قطيع الزراف.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »thanks , my appreciation (mohammad)

    الجمعة 9 نيسان / أبريل 2010.
    يقول الفتى الذي استبد فجأة به الكلام: اكتسب معدني الخصوصي مناعة ضد الرصاص، ضد حمى المناجم والأيائل وبورصة المال، استعدتُ أهلية العَقدِ والحل، قوة الإبراء وصلابة الماس. غير أنه اصطادني في نهاية المآل فخ الحنين الذي تجنبت الوقوع فيه، حاصرتني رفوف الحمام، شدت على عنقي وثاقاً من حرير، أيقظت في المواجع والكلام، فأعدتُ سيفي إلى غمده وطويتُ راية الاحتراز من دون أعذار.