إبراهيم غرايبة

المجتمعات في تشكلها حول المعرفة

تم نشره في الخميس 8 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

تعود الأدوات والنظريات والمؤسسات التي تنظم الحياة المعاصرة إلى الثورة الصناعية، الدول الحديثة والدساتير والتشريعات، والمدارس والجامعات، والنظريات الاجتماعية، فعلم الاجتماع القائم يعود إلى المفكرين (اوغست كونت، إميل دوركهايم، كارل ماركس، ماكس فيبر، ..)، الذين شغلوا بالتحولات الكبرى التي صاحبت الثورة الصناعية والثورات السياسية، ولكنها نظريات ومعارف لم تعد كافية وربما غير ملائمة لفهم وتنظيم الثقافة والمجتمعات الجديدة التي تتشكل حول اقتصاد المعرفة، وبدأت بالفعل تظهر تحديات ومآزق كبرى تجعل هذه المعرفة الهائلة والمتراكمة على مدى قرنين من الزمان شيئا تاريخيا ربما يمضي إلى المتاحف مع الاحترام والتقدير، مثلها مثل السيوف والرماح، أو كتاب القانون في الطب لابن سينا، أو نظريات وقوانين إسحق نيوتن في الفيزياء، ولذلك فإنه يتشكل اليوم نظريات «ما بعد الحداثة» في إعادة استيعاب لنظريات ومعارف «الحداثة» التي تشكلت في القرون الأخيرة حول الثورة الصناعية ومتواليتها السياسية والاجتماعية.

ونلاحظ اليوم سيادة وانتشار مفاهيم تعبرعن هذه التحولات وضرورات استيعابها من قبيل «ما بعد» و»نهاية» نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الايدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الصناعة، ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، ومنها مصطلحات النفي، مثل مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفين بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين، وهي مصطلحات يصفها الدكتور نبيل علي (الثقافة العربية وعصر المعلومات) بأنها ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة.

ويعتبر عالم الاجتماع الفرنسي جون بودريار، والذي يعتبر من أهم المنظرين في مدرسة ما بعد الحداثة، أن وسائل الاتصال الإلكترونية قد دمرت العلاقة التي تربطنا بماضينا، وأنشأت حولنا عالما من الخواء والفوضى. ويرى بودريار أن القوى الاقتصادية التي شغل بها كارل ماركس لم تعد مؤثرة في تشكيل المجتمع، ويقول أولريخ صاحب نظرية «مجتمع المخاطرة» إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار مفسحا المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية، ويرى عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز أن مجتمع المعلومات المعاصر يتميز بظهور «الشبكات» و»اقتصاد الشبكات». والنظام الاقتصادي الرأسمالي السائد اليوم إنما يقوم على ثورة الاتصالات العالمية، ولم يعد قائما كما كان يفكر كارل ماركس على الطبقة العاملة أو على إنتاج السلع المادية، بل إنه يقوم على التقدم في شبكات الاتصال والحوسبة التي أصبحت هي الأساس لتنظيم عملية الإنتاج.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »... (هيثم الشيشاني)

    الخميس 8 نيسان / أبريل 2010.
    التطوّر الحياتي ّ بكافة أشكاله يعتبر عائقا ً للتقدّم الحضاري ّ الإنسانسّ إن لم يواكبه تطوّر قيَميّ أخلاقيّ . و هذا -كما أظن- هو أحد الأشياء الجوهرية التي نتلمّسها في حياتنا اليومية.
    لا منظومة عامّة تتشكّل جنبا ً إلى جنب مع عالمنا المادّيّ المطّرد الانفتاح و التوسّع.
  • »يا حسرتي على المجتمعات (سلام الشمالي)

    الخميس 8 نيسان / أبريل 2010.
    المجتمعات؟ وأين هي المجتمعات يا أستاذ وقد تسلطت عيها الشركات واصبحت تحت رحمة رجال الاعمال والتجار ... والمحسنين، أخشى ان نتحول الى مجتمع من المتسولين والمتشردين والبركة في الاسعار الخيالية والارباح الفاحشة
  • »المجتمعات في تشكلها حول المعرفة (mohammad)

    الخميس 8 نيسان / أبريل 2010.
    والنظام الاقتصادي الرأسمالي السائد اليوم إنما يقوم على ثورة الاتصالات العالمية، ولم يعد قائما كما كان يفكر كارل ماركس على الطبقة العاملة أو على إنتاج السلع المادية، بل إنه يقوم على التقدم في شبكات الاتصال والحوسبة التي أصبحت هي الأساس لتنظيم عملية الإنتاج.