إبراهيم غرايبة

مجتمعات تشكل نفسها

تم نشره في الاثنين 5 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

يقبل الناس بحماس كبير على شراء بطاقات السحب (اليانصيب) وهم يدركون إحصائيا أن فرص الفوز بالجائزة بالغة الضآلة، ولكنه أمل على ضآلته يحرك أعدادا كبيرة من الناس لشراء البطاقات والمشاركة في التنافس، هذا الأمل الضئيل والثقة بعدالة التنافس هو ما يدفع الناس لهذه المشاركة الحماسية الخرافية، وهو ما يمنح الجهات المنظمة لليانصيب فرصة كبيرة لتحقيق أرباح كبيرة.

وبالطبع يجب أن يضاف سبب آخر لا يعترف به، أو لا نرغب في الحديث عنه علنا، وهو أن الناس جميعهم تقريبا يعتقد كل واحد منهم أنه مميز، وأن العناية الإلهية ستمنحه المكافأة المميزة التي يستحقها.

يقول الروائي الأميركي الأرمني وليم سارويان: أعرف أن الناس جميعا يموتون عندما يكبرون، ولكني أعتقد أنني من دون الناس سوف أحظى بعمر مديد وأعيش ألف سنة، وبالطبع فإن سارويان يحمل نفسه وزر هذا الادعاء حتى ينجو من العبارة التي قد تبدو قاسية واستعلائية على الناس، ولو نظرنا في قصص التراث العالمي عن الابطال والمساكين والصغار والمحظوطين تعبر عن هذا الهاجس، التميز، والحظوة الخاصة لدى العناية الإلهية الكبرى.

والواقع أنه شعور/ وهم ضروري للمشاركة العامة والتنافس، فلولا هذا الاعتقاد لقنع كثير من الناس بحياتهم وفرصهم المتواضعة، ولعلها مقولة تفسر النجاح والتقدم والثراء الخرافي الذي يحظى به بعض المواطنين، وحتى الذين فشلوا في القطاع الخاص أنعمت عليهم العناية الإلهية بفرص عظيمة جدا في القطاع العام تؤكد صدق حكايات المصباح السحري وتضامن الجن الأزرق مع فئة من المواطنين الطيبين أبناء وأحفاد الطيبين.

ولكن المجتمعات بحاجة إلى قدر من النضال والتجمع وإعادة التجمع لتقنع الجن الأزرق بقدر أكبر من النظر الشامل ولا تظل عينه فقط على الفاشلين المدللين الذين يكافأون على الفشل بالمناصب الكبرى، فهذا يفسد السحب على اليانصيب، وربما تتوقف اللعبة نهائيا.

وهكذا فإن المجتمعات بحاجة لتجميع وتنظيم نفسها على النحو الذي يحمي اللعبة ويجعلها عادلة ومستمرة، وعندما يجري العبث بقواعد اللعبة أو تغييرها، فلا نتوقع من الناس استمرار المشاركة، فمشاركتهم العظيمة في اليانصيب لا تقاس عليها إمكانية أن الناس يمكن أن يقبلوا بكل شيء، فالناس يضحون بذكائهم بذكاء كبير، ليس لأنهم يفتقرون إلى الذكاء كما يتوهم مسؤولون ومخططون لا يميزون بين الغرائز الأساسية للبقاء وبين المواهب والأفكار، ويصدقون أنهم بالفعل مميزون ومبعوثو العناية الإلهية وأن سلسلة فشلهم السابق بدءا من الثانوية إلى الجامعة إلى شركات ومصالح آبائهم وأصدقاء وحلفاء آبائهم إلى المناصب والمؤسسات العامة كانت سلسلة من التدابير الإلهية لحمايتهم وحماية اللحظة المنتظرة، وربما يفسر ذلك أيضا قصة المهدي المنتظر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المجتمعات بلا فرصة (حسان ابو لبن)

    الاثنين 5 نيسان / أبريل 2010.
    المجتمعات لا تملك القدرة على ايصال صوتها ولا يسمع صوتها والتعويل عليها في الاصلاح لن يفيد شيئا
    وتحتاج في الحقيقة الى مزيد من الوعي لمصالحها وما تريده
    ولكن بدون احزاب سياسية فاعلة وحركات وقيادات طليعية لا يمكن تحريك المجتمعات نحو مصالحها
    العبرة بالاحزاب والتيارات السيايسة الواعية والفاعلة
  • »يحيينا ويورينا المنتظر (ابتسام خرما)

    الاثنين 5 نيسان / أبريل 2010.
    القادة لاينزلون من السماء على من ينتظر بل يحملون على أكتاف المشاركة الشعبية ونتاج لعملهم المضني وبناء عليه اعتقد ما تشاء وشارك ويحيينا ويورينا المنتظر