د.باسم الطويسي

هذه قصة القمح في الأردن!

تم نشره في الأحد 4 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

ربما يجد البعض أنه من باب المبالغة الزعم بأننا قد نطوف مئات من بيوت الأردنيين من دون ان نجد فيها حفنة قمح بلدي، لكن في الحقيقة هذا ما يحدث بالفعل لو حاول أحدنا ان يجري تمرينا في البحث عن هذه السلعة في بيوت الناس، والتي كانت لوقت قريب تشكل أحد المكونات الأساسية لنمط الحياة والإنتاج قبل الغذاء.

طبعا تمرين البحث عن حفنة قمح في بيوت الأردنيين ليس من أجل الطحن والعجن والطهي والخبز، بل لنفترض انك تحتاج الى حفنة قمح بلدي من أجل وصفة طبية سوف تشفي، حتى لو أخرجنا من هذا السباق سكان العاصمة، وذهبنا نحو المحافظات والأرياف.

مع تألق الربيع الأردني هذا العام في مختلف أنحاء البلاد في الشمال والجنوب والوسط وحتى في الصحراء، نستعيد اكتشاف عمق الأزمة الاجتماعية والثقافية ذات الصلة بأزمات الوجود واستمرار الحياة على هذه الأرض، كما تبدو في المحتوى الرمزي لهذا النمط من القحط والفقر الاجتماعي، حيث ازدهرت التحولات التي شهدتها أنماط الإنتاج والعلاقات التي عكستها، كيف صيغت سنوات المحل والجفاف في بيوت الناس، الذين روضوا على أنماط شقية من الإنتاج، فكّت الشيفرة التاريخية بين الناس والأرض والطبيعة، ولم يعد أحد يفهم الآخر.

يحضرني مثال آخر لصديق كان يحكي على مسمع الجميع ورطته مع أبنائه، حينما اكتشف أنهم لا يعرفون شكل سنابل القمح ولم يروها من قبل، وان فطنة المعلمة في إحدى مدارس عمان قد وصلت الى الحل الوسط مع طلابها، بأن كلفت مجموعة أن يحضروا معهم في الأسبوع التالي سنابل قمح، ومجموعة ثانية ان تأتي بحفنة قمح، ومجموعة ثالثة ان تأتي بحفنة طحين قمح. ترى لو حاول كل منا ان يسأل أطفاله هل شاهدوا سنابل القمح على الأرض من قبل وليس في الصور؛ سوف يخجل كثيرون منا.

القيمة الثقافية والاجتماعية للأشياء من حولنا ليست مجرد ترف، بل يكمن فيها احد المؤشرات الأكثر عمقا الدالة على جوهر التحولات في حياة الناس والمؤشرة على مستقبلهم.

خلال آخر عقدين أصبحت قدرة الأردنيين على إنتاج القمح لا تتجاوز سوى 4 % من حاجات السكان. واليوم لا ينتج محليا من القمح سوى ما يكفي حاجة السكان لمدة ستة أيام فقط ، لذا ليس غريبا ان لا يعرف أطفالنا شكل وملمس سنابل القمح.

في كتاب «تاريخ المائدة والغذاء» (لـ: فيرنانديزـ آرميستو، صادر قبل سنوات عن جامعة أكسفورد)؛ يرى المؤلف ان صعود القمح في تاريخ البشرية يعد من بين أهم ثماني ثورات في تاريخ الغذاء، فلقد تجاوز الذرة والأرز وملأت حبوبه بطون الناس وانتشرت بسرعة في كل مكان، وأصبح عمليا أنفس سلع السلة الغذائية في العالم الحديث، مؤكدا انه لمئات الأجيال المقبلة لا ينتظر أن تحدث تحولات جذرية أو ثورات جديدة تهز مكانة القمح باعتباره الأكثر ملاءمة للخبز وللنظام الغذائي.

في البلاد التي لم يعد الأطفال فيها يعرفون شكل القمح ولا ملمس سنابله، كان ميلاد أول القرى الزراعية في العالم، وعلى هذه الأرض شيد أول سد مائي في التاريخ في جاوا، وبالقرب من وادي رم ثبت علميا وجود أقدم مزرعة للزيتون في التاريخ، وأيضا أقدم وأوسع حقول القمح. ترى ماذا ينفع كل تاريخ الحقول والفخر بأغاني الحصادين حينما تعجز ان تجد حفنة قمح في قرية بأكملها؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غربة القمح (طارق ابو فريح)

    الأحد 4 نيسان / أبريل 2010.
    حجم الغربة بين اجيالنا الجديدة وانماط الانتاج المرتبطة بقيمة اجتماعية اقتصادية امر مخجلوهو يحمل مؤشرات واضحىة نحو الطريق التي نسير عليها ، هذه الامثلة توضح حجم الطحن الذي خضعنا لة تحت اسنان ماكنة انماط الانتاج الجديدة وحجم هشاشة التكوين الاجتماعي الجديد تصوروا بعد خمسة عشر عاما يأتي وزير من جيل هؤلاء الطلاب لم ير ولا يعرفشكل سنابل القمح وربما يأتي وزير زراعة .
    شكرا لجريدتنا الغراء
  • »بلا قمح بلا سوالف (ياسر الخريشا)

    الأحد 4 نيسان / أبريل 2010.
    يا اخي ما بدنا قمح بدنا بس المصاري نعرف وين بتنصرف. حجزنا على متهمين المصفاة واخطرهم الان يهرب امواله الى لبنان عن طريق اخوته وزوجات اخوته واحنا منتفرج!! قال حجزنا عليه قال!!!
  • »نعم.. للأسف (ديمة)

    الأحد 4 نيسان / أبريل 2010.
    للأسف... وهذا من جملة الظواهر الاخرى التي نسينا أو تناسينا فيها ماضينا وحقيقتنا كبشر وقبلنا إملاءات الغير علينا بأنها الأفضل والأسهل لحياتنا.. المستقبل سيثبت ضرورة وجود الطبيعة والتنوع الاجتماعي ومدى صحته اجتماعياً ونفسياً وصحياً.
  • »أبدعت (انس مهدي الرواضية)

    الأحد 4 نيسان / أبريل 2010.
    أبدعت فيما قلت يا د. باسم سلمت يداك. وانا أرى ان للقمح نكهة خاصة في حياة الشعوب ....
  • »رائع (أبو عبد الله)

    الأحد 4 نيسان / أبريل 2010.
    لن أزيد على كلمة واحدة ...أن هذا المقال رائع