إبراهيم غرايبة

علم الفوضى أو البجعة السوداء

تم نشره في الجمعة 2 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

يعبر كتاب نسيم طالب "البجعة السوداء، تداعيات الأحداث غير المتوقعة" عن اتجاه قوي اليوم في الفلسفة والتفكير والتحليل وحتى في العلوم البحتة وبخاصة الفيزياء، ففي التحولات المصاحبة للمعلوماتية والمعرفة اليوم بدأت النظريات التي كانت تبدو منضبطة لتفسير الظواهر وتوقعها تتداعى أو تواجه تحديات حقيقية وكبرى.

البجعة السوداء عبارة عن حدث مستبعد الحدوث جدا، وله ثلاث ميزات رئيسية: غير قابل للتنبؤ بوقوعه، وله أثر كبير طاغٍ، ونقوم في العادة بعد وقوعه بحياكة مرويات وتفسيرات حوله من شأنها أن تجعله أقل عشوائية وأكثر توقعاً مما كان عليه في الواقع، ومن أمثلة البجعة السوداء: أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، والنجاح الباهر لمحرك غوغل.

ما الذي يجعلنا لا ندرك ظاهرة البجعات السوداء إلا بعد حدوثها؟ البشر مطبوعون على تعلم الأشياء المحددة، في الوقت الذي ينبغي عليهم التركيز على العموميات، ونحصر تركيزنا في الأشياء التي نعرفها من قبل، ولا نأخذ بالاعتبار ما لا نعرفه، فنعجز عن تقدير المناسبات، ويسيطر علينا ضعف مستبد أمام نزعة التبسيط، والسرد، والتصنيف، ولا نتجرأ على تصوير ما نظنه مستحيلا، بل ولا نكافئ الذين يتجرأون على تصوره.

فالكتب والروايات المهمة على سبيل المثال والتي لقيت رواجا كبيرا، هي كذلك لأنها نشرت، ولكن من بين النسبة الكبرى مما لا ينشر من المخطوطات التي تقدم للنشر، أليس ممكنا أن يكون من بينها ما هو أفضل مما نشر؟ الروائي لوسيان قدم مخطوطة لناشر فرفضها من دون أن يقرأها، وبعد أن اشتهر لوسيان قدم المخطوطة لناشر آخر، فنشرها من دون أن يقرأها.

تخيل، يقول نسيم طالب، أنك عالم في إحدى جامعات القرون الوسطى، في القسم المختص بتكهنات المستقبل، وأنك متخصص في الإسقاطات المستقبلية لأحداث التاريخ في القرن العشرين، الذي كان مايزال بعيدا عنك جدا، فإنك تحتاج إلى أن تعثر على اختراعات من نوع المحرك البخاري، والكهرباء، والقنبلة النووية، والإنترنت، والنشاط الغريب المسمى اجتماع عمل، ذلك الاجتماع الذي يقوم خلاله رجال لا يشكون من نقص التغذية بإعاقة جريان الدماء في عروقهم بمحض إرادتهم بواسطة وسيلة ثمينة تدعى ربطة العنق.

إننا ببساطة غير قادرين على تصور الاختراعات المستقبلية، ولو كنا قادرين على ذلك لكانت قد أنجزت وقضي الأمر، ففي اليوم الذي نكون فيه قادرين على التكهن بالاختراع نكون قد صرنا نعيش في حالة يكون فيها كل شيء ممكن التصور قد اخترع، وفي عام 1899 استقال رئيس مكتب تسجيل براءات الاختراع في الولايات المتحدة، لأنه اعتبر أنه ليس ثمة ما يمكن اختراعه.

وقد لاحظ عالم الأرصاد ادوارد لورانز أن التغير البسيط جدا في المعطيات يؤدي إلى نتائج كبيرة ومختلفة، وهذا ما صار يعرف بتأثير الفراشة، أو نظرية الفوضى.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »زيارات غير متوقعة (ماهر يوسف شحاده)

    الجمعة 2 نيسان / أبريل 2010.
    اشكر كاتبنا ابراهيم الغرايبة على مقاله كتاب نسيم طالب "البجعة السوداء، تداعيات الأحداث غير المتوقعة" عن اتجاه قوي اليوم في الفلسفة والتفكير والتحليل وحتى في العلوم البحتة وبخاصة الفيزياء .
    و عند قراءة المقال عن الاحداث غير المتوقعة خطرت في بالي بعض السلوكيات غير المتوقعة و التي قد تحدث او حدثت مع الجميع وان دلت فانها تدل على طيبة عربية اصيلة . لكنها تحتاج الى تهذيب . واحببت ان اناقشها من خلال مقالة استاذنا العزيز علينا ابراهيم غرايبة . الا وهي الزيارات غير المتوقعة .
    الضيافة سمة من سمات المجتمع العربي وخصيصة من خصائصه الفريدة في العالم وأسلوبها ينضبط بضوابط أخلاقية وشرعية علي مستوي الفرد والجماعة وكلما توافقت الضيافة والزيارة مع التقاليد والأصول الشرعية قويت العلاقات وتوثقت الروابط .
    تعوَّد كثير من الناس أن يفاجئوا أقاربهم أو أصدقاءهم بالزيارة فحيناً يجدونهم وتكون زيارة غير متوقعة وغير محسوبة , فربما يكونون علي موعد لمغادرة المنزل أو تكون لديهم من الظروف ما يحول دون إعطاء الزيارة حقها ومع كل هذه العوامل فلابد من استقبالهم بالبشاشة والترحاب والمثل الشائع ( لاقيني ولا تغديني ) والقرآن الكريم قد نبه إلي وجوب الاستئذان قبل الزيارة , قال تعالي : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } (27) سورة النــور
    وقد يحدث للمضيف الحرج لظروف أسرية أو مادية أو ضيق في السكن ولهذا جعل الله لمثل ذلك مخرجاً وممدوحة في قوله تعالي : { وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } (28) سورة النــور .
    وعلي المضيف في مثل هذه الظروف أن يتصرف بحكمة ولباقة حتى لا يفسد ود القلوب .
    وعلي الضيف أن يتقبل الرجوع عن الزيارة بصدر رحب ولعل بعض الإخوة لا يستريح لهذا .. والأولي أن يعاتب نفسه ويلزمها بأدب الإسلام والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    بعض الإخوة يتوجهون لزيارة أحدهم فيطرقون الباب عدة مرات .
    قد حددت الآداب الإسلامية قواعد الاستئذان في زيارة صديق أو جار وذلك بالطرق أو استعمال ( الجرس ) ثلاث مرات فقط
    الأولي لإعلام صاحب الدار أن هناك من يود زيارته .
    والثانية لاستعجاله إذا تأخر
    والثالثة بمثابة اعتذار بأنه سوف يغادر المكان .
    ثم لا يزيد علي ذلك ., احتراماً لمشاعر صاحب الدار . فقد يكون غير متهيئ للاستقبال , أو يكون غير موجود أصلاً في المنزل .
    وبعض الإخوة ينصرف ثم يعود بعد فترة ويعاود ما سبق دون جدوى .
    وأنصح الزائر قبل أن يتوجه للزيارة , أن يجهز بطاقة يكتب فيها أنه حضر للزيارة ويأسف لعدم اللقاء ثم يحدد فيها ما يريد أو يحدد موعداً آخر أو يترك عنوانه ورقم تليفونه كي يتصل به عند العودة .
    ومن الحكايات التي تروي في مثل هذا الباب , ما قرأته عن الشيخ عبد العزيز البشري الذي ينفرد بأسلوبه في معالجة مشكلة الزيارات المفاجئة .
    فكان من عادته أن يضع عمامته وجبته خلف باب الشقة التي يسكن فيها .
    فإذا طرق أحدهم الباب لبس جبته وعمامته وأمسك عصاه .
    فإذا كان الضيف مرغوباً فيه استقبله أحسن استقبال وقال له : الحمد لله الذي جاء بي من الخارج الآن .
    وإذا كان الضيف ثقيل الظل وغير مرغوب فيه قال : الحمد لله الذي جاء بك قبل أن أخرج لأنني علي موعد الآن .
    وبعض الأفراد ممن عندهم فراغ ــ أو متسع من الوقت ــ يقضون وقتهم عند من لا يجد متسعاً من الوقت لإنهاء ما تراكم عليه من واجبات ( فالوقت هو الحياة ) ( فعاون غيرك علي الانتفاع بوقته ) .
    وقد يتزايد الزوار ولا يفكر الزائر الأول في الانصراف لأن ( القعدة احلوَّت ) وبعضهم وخاصة غير المتزوجين لا تحلو لهم الزيارة إلا في وقت متأخر وغير مناسب لأنهم لم يمروا بهذه التجربة بعد , والمثل يقول : ( يا بخت من زار وخفف ) , وإذا أبديت بعض التلميحات تنبيهاً لمجافاة هذا السلوك للتقاليد والعادات قيل لك ( إننا نحبك في الله تعالي ) !
    وليس الحب في الله تعالي إلا في إظهار الذوق والأخلاق وضوابط العرف