د.باسم الطويسي

الاستطلاع وثقة الجنوب

تم نشره في الخميس 1 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

يبدو أن مؤشر ثقة إقليم الجنوب في الحكومة والفريق الوزاري والرئيس في استطلاع المائة يوم على تشكيل الحكومة والذي نفذه مركز الدراسات الإستراتيجية ونشر نتائجه هذا الأسبوع قد لفت الانتباه ويحتاج إلى تفسير موضوعي متأن، وأن يوضع في السياق العلمي والتاريخي بعيدا عن الاجتهادات الآنية.

سجل المستجيبون من إقليم الجنوب في الاستطلاع أدنى تقدير للثقة بالحكومة، وهو أدنى من المعدل الوطني بفرق واضح بنحو عشر نقاط، وكما هو الحال في طريقة تعامل المجتمعات الجديدة مع قياس الرأي العام، فإن المشكلة تبدو عادة في قراءة الاستطلاع وتفسيره أكثر مما يأتي به من مؤشرات.

فإذا كانت استطلاعات الرأي المحترفة هي جهد علمي يقوم على المنهجية العلمية الصارمة والتي تحتاج إلى مؤسسات لديها تاريخ من الصدق والموثوقية، فان قراءة الاستطلاع تحتاج أيضا إلى سياق علمي أيضاً، وهذا ما يعني الحاجة إلى منظور أكثر عمقاً في تناول تحولات علاقة المجتمعات المحلية بالحكومات كما تعكسها حالة الجنوب.

ليس هذا هو الاستطلاع الوحيد الذي يشير إلى أزمة ثقة متنامية بين الحكومات والمجتمعات والنخب المحلية في محافظات الجنوب، بل إن الاستطلاعات السابقة لمركز الدراسات الإستراتيجية ومسوحات أخرى أشارت بقوة على مدى عقدين إلى مؤشرات عديدة تتحدث عن التقييم السلبي لأداء الحكومات كما عبرت عن ذلك الأحداث وآخرها الأزمة الاحتجاجية للمعلمين التي قادها معلمو محافظات الجنوب.

المسألة بوضوح تكمن في نمو الوعي والإدراك المجتمعي لحجم الفجوة التنموية التي تعيشها المجتمعات المحلية في هذه المحافظات وتدني مستوى نوعية الحياة وتراجع دور الدولة بالتزامن مع ضغوط الظروف الاقتصادية التي واجهتها الحكومات على مدى السنوات الماضية، الفجوة مستمرة وليست جديدة والتحولات ترصد في الانتقال من المطالب إلى الاحتجاجات المحلية وصولاً إلى التعبيرات السياسية.

الوعي المجتمعي والإدراك المتنامي يقابله دوران مهلك في العمل الاقتصادي والاجتماعي في حلقة مفرغة لم تصل إلى نتائج حقيقية ملموسة تنعكس في حياة الناس، وفي هذا الإطار يمكن تفسير تصلب معلمي الجنوب في الأزمة الاحتجاجية الأخيرة قبل تفسير معدل تقييم الحكومة.

لسان الحال يقول إن المطلوب هو تحمل نتائج الأزمات الاقتصادية ودفع ثمنها، بينما تحرم هذه المجتمعات بشكل أو بآخر من النجاحات الاقتصادية، حسب الأرقام الرسمية (80 %) من الشركات المسجلة في المملكة توجد في العاصمة و(20 %) توجد في بقية المحافظات منها (2 %) في محافظات الجنوب، و(91 %) من رؤوس الأموال المسجلة في الشركات بكافة الأنشطة الاقتصادية توجد في العاصمة و(9 %) فقط من رؤوس الأموال توجد في بقية المحافظات منها (1 % ) فقط في محافظات الجنوب، بينما تركز(67 %) من المشاريع التي استفادت من قانون تشجيع الاستثمار خلال (1996-2009) في العاصمة فيما استفادت بقية المحافظات (33 %) فقط.

ولا نريد تكرار الأرقام التقليدية حول البطالة والفقر، التي سجلت في محافظات معان والكرك والطفيلة المعدلات الأعلى في المملكة، وهكذا يمكن مراجعة عشرات المؤشرات التي تدل على استمرار الدوران في حلقة مفرغة في إعادة إنتاج الفجوة التنموية التي لا تستقيم مع معادلة الموارد المحلية ونوعية الحياة.

كما يرتبط التقييم السلبي للأداء الرسمي في هذه المحافظات بسوء إدارة المبادرات والمشاريع التي تنفذ، والعديد منها يسير في طريقه إلى الفشل، في ضوء غياب الكفاءة والاعتماد على الاسترضاء، والأخذ بالخواطر واصطناع الخصوصيات، من الناحية السياسية يرتبط هذا التقييم بتزايد شعور المجتمعات بأن النخب الرسمية في الحكومات ومؤسسات الدولة الأخرى التي تنتسب إلى هذه المجتمعات أصبحت غريبة عليها ولا تمثلها التمثيل الحقيقي.

استطلاع مركز الدراسات الإستراتيجية يضيف مؤشرا جديدا لسلسلة من المؤشرات السابقة، ولكنه يؤكد تحولا كيفيا نحو التعبير السياسي المباشر في إدراك الفجوة التنموية.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشابه (علي خليفات)

    الخميس 1 نيسان / أبريل 2010.
    نعم هذه النسبة اقرب الى الواقع حيث انها تعبر ما يقدم للاطراف وبعيدا عن العاصمة وللمصادفة تتشابه نتائج هذا الاستطلاع مع المسح الصحي (والذي بالتاكيد علمي) حيث مستويات فقر الدم عند الاطفال(حسب ما تسرب من نتائج) في الجنوب (بالتحديد محافظتي الكرك ومعان) كانت تقل ب 10 نقاط ايضا عن المستوى الوطني... ماذا يعني هذا. ربما الارقام وحدها غير كافية لاستنباط دقة هذه الظاهرة وتفسيرها وايجاد حل لها ايضا ربما بكلفة اقل مما يتخيل المتخيلون في العاصمة. هذه الارقام تحتاج الى استطلاعات معمقة (وهي علمية) لسبر ما وراء تلك الارقام
  • »مبدأ باريتو (عايدة ابوتاية)

    الخميس 1 نيسان / أبريل 2010.
    ما ورد في مقال الكاتب انما يرسخ وبشكل مؤكد لمبداالقليل هو الأهم والأغلب قليل الأهميةهذا المبدأ المتعارف علية في علم الاقتصادبمبدأ باريتو (وهو عالم اقتصادي ايطالي مشهور) بـ 80 مقابل 20 ، جوهره امتلاك 20% من الاشخاص 80% من الثروات و80% من الاشخاص يمتلكون فقط 20% من الثروات وبالتالي هذا التوزيع غير العادل بؤطر للتمييز السلبي وحرمان الحقوق ، حقيقة الارقام و المعلومات الواردة في المقال تدل وبشكل واضح ومحسوس بوجود الفجوه والخلل في استثمار ورعاية التنمية في محافظات الجنوب ، نريد نحن سكان هذه المحافظات الخروج من دائرة التمني في تدخل الحكومة لمعالجة الاوضاع الاقتصادية و التنموية الى وجود برامج وخطط فعلا تتابع و تدخل دائرة التنفيذ ..
  • »بعيد بعيد بعيد..... (زهير السقا)

    الخميس 1 نيسان / أبريل 2010.
    سلام،

    الإستطلاع وكاتب المقال يفترض أن الأشخاص محل العينة على إطلاع بما يجري حكوميا من أنشطة! والأرقام الواردة تزيد الطين بلة، فتقارن العاصمة بالجنوب.

    بعبارة أوضح، أهل الجنوب غير راضيين ليس لأن الحكومة لا تهتم بالجنوب، فالحكومة لم تكن منحازة للعاصمة تنموياً (بل العاصمة هي المفضلة كمصدر دخل ضرائب وخلافه). وإذا كان الجيب فاضي (أزمات إقتصادية)، فكيف تميز الحكومة بين محافظة وأخرى؟؟

    بالنهاية، الرضى له علاقة بالتمثيل العشائري والجغرافي، والأرقام التي أوردتها مثال واضح على ذلك يا عزيزي.
  • »الجنوب والفجوة التنموية (امل العبادي)

    الخميس 1 نيسان / أبريل 2010.
    لماذا الجنوب دائماً وثلثي ثروات الوطن موجودة فيه طبعاً ستكون ثقتهم بالحكومة اقل لانهم لم يروا تغير ملموس على اوضاعهم بكل حكومة تاتي او تذهب فالكل اصبح واحد
    اشكر الكاتب على قلمة