الأمل في الأفق البعيد

تم نشره في الخميس 1 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

قبل عقدين من الزمان كانت أثيوبيا ساحة معركة للحرب الباردة. وعلى الخريطة الإيديولوجية للعالم، كانت تُعَد أرضاً سوفييتية، وكانت أرض المجاعة والدكتاتورية والحروب الأهلية. ولكن بعد الإطاحة بنظام منجستو هيلا مريام الماركسي اللينيني الدكتاتوري في العام 1991، بدأت أثيوبيا في تحويل نفسها. واليوم تحتل مكاناً بين أسرع خمسة بلدان تحقيقاً للنمو الاقتصادي على مستوى العالم، وأصبحت معقلاً للاستقرار الإقليمي.

وهذا الاستقرار يشكل أهمية بالغة، وذلك لأن القرن الأفريقي تحول إلى صداع أمني مرة أخرى. وإذا كان لهذه المنطقة أن تستقر فلابد وأن تلعب أثيوبيا دوراً رئيسياً. بل ولابد من اعتبارها شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه لقوى المجتمع الدولي الراغبة في منع منطقة شرق أفريقيا بالكامل من الانزلاق إلى الفوضى.

فإلى جانب الفوضى التي لا تنتهي في الصومال المجاورة، سنجد أن التحديات التي تواجه أثيوبيا ورئيس وزراءها ميليس زيناوي هائلة. فما زالت البلاد مهددة بخوض حرب مع إريتريا حول قرية بادمي الحدودية المتنازع عليها بين الدولتين. وفي السودان المجاورة تتجه اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان نحو الانحلال السريع، حيث قد يؤدي الاستفتاء المنتظر في كانون الثاني (يناير) 2011 في الجنوب حول الانفصال والاستقلال ـ وهو جزء من اتفاق السلام الذي أبرم بين الطرفين في العام 2005 ـ إلى استفزاز العودة إلى الحرب الشاملة.

وإلى الجنوب، هناك كينيا التي ما تزال تحمل ندوب الجراح التي أصابتها من جراء أعمال العنف التي اندلعت في أعقاب الانتخابات، وقد تؤدي عملية مراجعة الدستور هناك إلى إراقة المزيد من الدماء. فضلاً عن ذلك فإن قُرب أثيوبيا من اليمن الذي مزقته الصراعات (حيث يتجمع الجهاديون المتعصبون) عبر البحر الأحمر مباشرة، يعمل على تعقيد السياسة الخارجية للبلاد، وذلك نظراً للدور الذي تلعبه في إبقاء الصومال بعيداً عن سيطرة الإسلاميين.

وعلى الرغم من هذه المشاكل العديدة ـ أو ربما بسببها ـ فإن أثيوبيا لديها الفرصة الآن للظهور كزعيمة إقليمية لا ينازعها أحد حقها في الزعامة. فمن المتوقع أن تصبح أثيوبيا بفضل نموها السكاني السريع واحدة من بين أكثر عشرة بلدان اكتظاظاً بالسكان على مستوى العالم بحلول منتصف هذا القرن. ورغم أن أثيوبيا لا تطل على أي ساحل بحري فإنها تتمتع بقدر ضخم نسبياً من الموارد الطبيعية، وخاصة أراضيها الزراعية الخصبة، التي اجتذبت استثمارات ضخمة من المملكة العربية السعودية، وبلدان أخرى. كما اقتربت أثيوبيا الآن من التوصل إلى تسوية نهائية مع مصر بشأن النزاع الذي طال أمده حول مياه النيل الأزرق ـ الذي ينبع في أثيوبيا. وقد يكون لهذه التسوية تأثيراً إيجابياً قوياً على النمو الاقتصادي في أثيوبيا.

ولكن على الرغم من التقدم الذي أحرزته أثيوبيا، فإن المجتمع الدولي (وخاصة الغرب) كان متردداً في اعتبار البلاد شريكاً استراتيجياً. لا شك أن أثيوبيا لديها مشاكلها، ولكن هذه المشاكل لابد وأن يُنظَر إليها في سياق أفريقي شامل. والواقع أن وضع حقوق الإنسان هناك من الممكن أن يتحسن كثيراً ـ وخاصة معاملة زعيم المعارضة السياسية بيرتوكان ميدسكا ـ ولكن نظام اسياس افورقي في إريتريا المجاورة أسوأ من حيث حجم انتهاكات حقوق الإنسان.

ويهيمن الائتلاف الحاكم، الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الأثيوبية، على الساحة السياسية في أثيوبيا ـ ولكن من يستطيع أن يوجه اللوم إلى الأثيوبيين، المحاطين بالأعداء المحتملين، لأنهم أعطوا الأولوية للاستقرار والنظام قبل التنمية الديمقراطية على النمط الغربي؟ ولا يجوز لزعماء الغرب أن يدينوا زيناوي في حين يشيدون برئيس وزراء روسيا فلاديمير بوتن لأنه يركز على تحديث الحكم في روسيا.

فضلاً عن ذلك فقد أسس رئيس أوغندا يوري موسيفيني دولة ذات حزب واحد طيلة سنوات حكمه التي بلغت 24 عاماً، ورغم ذلك فإن الغرب يحتفي به باعتباره واحداً من زعماء أفريقيا الملهمين. ويبدو أن أثيوبيا تقع في كثير من الأحيان ضحية للمعايير الدبلوماسية المزدوجة.

إذا نجح زيناوي في إحكام قبضته على السلطة في الانتخابات البرلمانية القادمة في أيار (مايو)، فيتعين على العالم أن يتوقع تعمق جذور الاستقرار الذي جلبه زيناوي. أما انتشار هذا الاستقرار إلى بقية المنطقة فهو أمر آخر. ولهذا السبب فإن أثيوبيا تحتاج إلى الدعم الدولي، بغض النظر عن نتيجة الانتخابات.

ومن المفيد هنا أن نبين التناقض بين العواقب المحتملة للانتخابات في أثيوبيا وبين التداعيات المتوقعة للانتخابات الرئاسية المقررة في السودان في نفس الوقت تقريباً. فإذا ما احتفظ عمر البشير برئاسة السودان، كما هو متوقع، فسوف يكتسب الجرأة الكافية لتصعيد أعماله العدائية في المنطقة المتوترة من البلاد. ولا يحتاج العالم إلى من يذكره بأن حملة البشير الدموية في دارفور أدت إلى توجيه الاتهام له من قِبَل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ومن المؤكد أيضاً أن البشير سوف يحاول منع الإقليم الغني بالنفط في جنوب السودان من إعلان الاستقلال. والواقع أن شعب جنوب السودان، وأغلبهم مسيحيون أو وثنيون، من المرجح أن يفضلوا الانفصال ـ بسبب ذكرى عقود من الحرب، وفرض الشريعة الإسلامية عليهم بالقوة من قِبَل حكومة البشير في الخرطوم.

ويعتقد العديد من المراقبين الآن أن البشير سوف يسعى إلى منع إجراء الاستفتاء، أو استخدام نتائجه كذريعة للعودة إلى الحرب مع الجنوب ـ مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة في مختلف أنحاء منطقة القرن الأفريقي. وسوف تلعب الدبلوماسية الأثيوبية دوراً بالغ الأهمية في تقليص احتمالات انتشار العنف، ولكن أثيوبيا لن تتمكن من أداء هذا الدور إلا إذا تلقت دعماً استراتيجياً قوياً من الغرب.

إن تاريخ الخصومات الإقليمية يؤكد أن أثيوبيا لديها عدد قليل من الحلفاء الطبيعيين في المنطقة. وقد تكون أرض الصومال، المحمية البريطانية السابقة التي انفصلت عن الصومال في العام 1991، والتي تقع إلى الشمال الشرقي من أثيوبيا، من بين هؤلاء الحلفاء القليلين.

تتمتع أرض الصومال، مثلها في ذلك كمثل أثيوبيا، بالاستقرار النسبي، وتحسن الوضع الاقتصادي والأمني. ولديها أيضاً سواحل طويلة فضلاً عن ميناء بربرة العميقة، التي قد تساعد أثيوبيا المحرومة من السواحل في تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي. إن الإسلام المعتدل الذي يمارس في أرض السودان بعيد كل البعد عن وحشية تنظيم الشباب في الصومال. وإذا اعترفت أثيوبيا بسيادة أرض الصومال، فمن المؤكد أن العديد من بلدان الاتحاد الأفريقي سوف تحذو حذوها ـ بل وربما تحذو حذوها أيضاً الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، التي أصبحت يائسة على نحو متزايد من إعادة توحيد الصومال.

إن زعامة أثيوبيا لمنطقة القرن الأفريقي من شأنها أن تجلب التغيير الدائم في هذا الجزء المتجاهل من العالم. ولقد حان الوقت لمنح أثيوبيا الأدوات الدبلوماسية التي تحتاج إليها لتمكينها من تحقيق هذه الغاية.

* المتحدث باسم المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين للشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق