مصر المعطلة!

تم نشره في الأربعاء 31 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 تضر كثيرا بدور ومصالح مصر الإقليمية تلك النظرة السائدة لها اليوم بين قطاعات عديدة في العالم العربي كقوة معطلة فقدت نفوذها التقليدي ولم تعد بقادرة على التأثير في مجريات الأمور من حولها.

ومع أن القراءة الموضوعية تدلل على شيء من النجاح المصري في التعامل مع الملفات الخارجية الأساسية، في ظل ظروف إقليمية ودولية صعبة، إلا أن العنصر الفصل هنا هو أن النظرة السلبية لمصر والمنتقصة من دورها شاعت في الآونة الأخيرة واكتسبت أرضية واسعة في الرأي العام العربي على نحو أضحى يحتم على صناع ومنفذي السياسة المصرية الشروع الجاد في مجابهتها.

الدولة الراغبة في ممارسة النفوذ خارج حدودها تحتاج إلى قابلية وقبول محيطها الإقليمي لممارسة النفوذ هذه ومثل ذلك لا يتأتى سوى بذيوع الاقتناع بقوتها وقدراتها والتسليم برجاحة الوجهة الإستراتيجية لدورها ونتائجه الإيجابية.

وأحسب أن مصر عجزت خلال الفترة الماضية عن صياغة خطاب رسمي متجه لمحيطها الإقليمي يحدد أولويات سياستها بوضوح ويدافع عن حصادها. السلام في الشرق الأوسط واحترام سيادة الدول الوطنية والتعاون الاقتصادي والتجاري مع العرب والعلاقة الإيجابية مع الولايات المتحدة والغرب وتأمين الحدود المصرية واحتواء تمدد النفوذ الإيراني تشكل معا الأولويات الأساسية لمصر والتي لا تعدم المؤيدين، إنْ بين الحكومات العربية أو في الرأي العام. إلا أن مصر الرسمية أخفقت مرارا، خاصة في لحظات التأزم والتوتر في الشرق الأوسط، في الالتزام العلني بها والدفاع عنها إزاء انتقادات البعض وتعالي أصداء التشكيك في السياسة المصرية في الإعلام العربي.

المؤكد أيضا أن مصر لم تنجح في التعامل بصدقية وذكاء مع تعثر السلام في الشرق الأوسط والتوقف العملي لمسارات التفاوض بين العرب وإسرائيل في الآونة الأخيرة. فعندما تفرغ حكومة اليمين الإسرائيلية بصورة شبه يومية عملية السلام من مضمونها وتستمر في ممارساتها الاستيطانية وتعنتها، يصبح من غير المقنع أن يقتصر الخطاب الرسمي المصري على تكرار الالتزام بالسلام كخيار إستراتيجي للعرب متبوعا بشيء من النقد المحدود لإسرائيل (هو للعتاب أقرب).

ولم يكن يضر مصر، ومن دون أن تقع في فخ تبني مقولات إيديولوجية فارغة المضمون أو تنضم إلى منتجي خطابات التهديد والوعيد لإسرائيل واليهود والصهاينة الصادرة عن عواصم إقليمية مختلفة، أن تسجل بلغة قوية ومفردات واضحة رفضها لممارسات إسرائيل وتبحث في الخيارات المتاحة للتعامل الفعال مع تعنت حكومة نتنياهو فرديا وجماعيا بالتنسيق مع العرب القريبين منها ومع القوى الغربية التي بات عدم رضاها عن الصديق الإسرائيلي جليا.

وإن كانت مصر الرسمية ترفض سحب مبادرة السلام العربية أو تجميدها، وكلا الأمرين يتداول اليوم على نطاق واسع في الإعلام العربي ويحظى بتفضيل شعبي واسع بعد ممارسات إسرائيل الأخيرة في القدس، وترى أنهما لن يعودا على الفلسطينيين بالكثير من النفع، يصبح لازما عليها أن تسوق من الحجج والمسوغات ما قد يقنع على الأقل بعض العرب برجاحة موقفها.

كذلك لم يعد مقبولا أن تصمت مصر عن المأساة الإنسانية في غزة المحاصرة، في حين تتضامن مع سكانها قطاعات واسعة في العالم العربي والخارجي. ما أزأل على رأيي في أن مرتكزات الموقف المصري في ما خص إدارة المعابر مع غزة وتأمين الحدود المصرية والعمل على إنجاز ملف المصالحة الفلسطينية صحيحة وتستحق الدفاع عنها، إلا أن تجاهل مأساة غزة ومعاناة سكانها وغياب التفنيد المقنع للاتهام الموجه لها بالاشتراك العملي في الحصار يضر كثيرا بصورة مصر في محيطها الإقليمي ويقلل من هيبتها.

أخيرا، لا شك في أن أزمات مصر الداخلية، خاصة جمود حياتها السياسية وغياب الإصلاح الحقيقي والخوف من فراغ مفاجئ في السلطة الرئاسية، تساهم في انتشار النظرة السلبية لها كقوة معطلة بين العرب. فإدارة أوضاع السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر لا تقدم اليوم للمحيط الإقليمي نموذجا واضح المعالم يمكن أن يتفاعل معه إن بالقبول أو الرفض.

ملاحظة: دعوت في المقال السابق للوقوف أمام تعنت اليمين الإسرائيلي وكان ينبغي أن أضيف صفتَي المدنية والسلمية للانتفاضة على غرار الانتفاضة الأولى في النصف الثاني من الثمانينيات. فما أزال على يقين أن كلفة المقاومة المسلحة في فلسطين باهظة للغاية وحصادها المتوقع شديد المحدودية وأن المقاومة المدنية والسلمية هي ورقة الضغط الحقيقية لدى الفلسطينيين على إسرائيل والرأي العام الإقليمي والعالمي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أنا إسمي خالد جمال! (خالد السلايمة)

    الأربعاء 31 آذار / مارس 2010.
    أسعد الله صباحك أخي الكاتب

    أنا مواليد سنة 1968 و سميت خالد على إسم نجل الزعيم المصري الكبير جمال عبد الناصر. لك أن تتخيل أخي الكريم أن الناس في تلك الحقبة تسمي أولادها بأسماء أبناء القادة العظام لأنهم رأوا منهم ما يسر الخاطر (على الرغم من تحفظي الشخصي على الطريقة التي أدار بها جمال عبدالناصر مصر في تلك الأيام). قارن هذا بالحاصل اليوم.!

    يا أخي الكريم, أنت تحدثت عن مصر المعطلة من الناحية السياسية و أبدعت لأنه هذا مجالك, و لكن أنا كمواطن عادي, إضافة إلى الأمور السياسية التي شرحتها و بينت فيها "تعطل" دور مصر, أريد أن أعرج على عدة أمور أخرى ساهمت و تساهم في "تعطيل" دور مصر على مستوى العالم العربي

    1) تراجع مكانة التعليم العالي المصري كثيرآ. أنا واثق أنك تعلم أنه خريج جامعة القاهرة في منتصف القرن الماضي كان له وزن كبير, أما اليوم فالوضع مختلف!

    2) تراجع مكانة مصر الثقافية, و واضح ذلك من الأدب المنشور و حتى صناعة السينما و التلفزيون. كل شيء يتراجع!

    3) مكانة الصناعات المصرية ليست في جودتها كالصناعات الغربية, و بما أن العالم اليوم قرية صغيرة, فأنا أقارن بين ما هو مصري رديء و ما هو أجنبي جيد! هذا التراجع جعلنا نبتعد عن مصر. و أنا كطبيب أعطيك مثال عن الأدوية المصرية. لا شك عندنا أن الادوية الأردنية أعلى جودة من الأدوية المصرية و ذلك بسبب عوامل الضبط و الجودة المطبقة في الأردن.

    كل ذلك يا أخي جعل من مصر غير فاعلة على الإطلاق.

    و أود أن أضيف, و أنا لا شك عندي ان توقيع مصر إتفاقية كامب ديفيد هي التي بدأت عملية تعطيل مصر. فلولا تلك الإتفاقية اللعينة, لعملت القيادات المصرية على التحديث و التطوير في كل مفاصل الحياة المصرية حتى تقوم مصر بدورها الطليعي و خصوصآ في القضية الفلسطينية, و لكن بعد الإتفاقية و تحييد مصر, بماذا ستقوم مصر!!؟

    ما زال والدي السبعيني يعول على مصر حتى اليوم, أنا أعارضه و أعول على العراق, فيأتي أخي الأصغر و يعول على الإثنين. بالمحصلة, هناك بلد عربي و إستراتيجي معطل و الثاني محتل. فكها الله من أزمة, لان الوضع أصبح لا يحتمل.
  • »جدار العار المصري (امجد)

    الأربعاء 31 آذار / مارس 2010.
    انا متعجب من القمة سرت التي لم تدعو النظام المصري لرفع الحصار عن غزة و ازاله جدار العار المصري