الأمل في الأفق البعيد

تم نشره في الأربعاء 31 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

في الولايات المتحدة بلغت معدلات البطالة 10 %. وفي بعض البلدان أصيبت السياسة المالية بالشلل بسبب مخاوف مشروعة من أن يتسبب المزيد من الإنفاق بالاستدانة في إشعار أزمة ديون حكومية. وفي العديد من البلدان الأخرى أصبحت السياسة المالية عاجزة بسبب الخلط بين العجز الدولي قصير الأجل والعجز البنيوي طويل الأجل.

وفي الوقت نفسه، أصيبت السياسة المصرفية بالشلل بسبب ردود الفعل الشعوبية المعارضة للمزيد من عمليات الإنقاذ، وأصيبت السياسة النقدية بالشلل بسبب العقلية الغريبة السائدة بين محافظي البنوك المركزية الذين يخشون التضخم حتى مع استمرار نمو الأجور في الهبوط. وكما قال ر. ج. هاوتري عن أسلاف هؤلاء الناس أثناء أزمة الكساد الأعظم: "إنهم يصرخون النار! النار! في حين يحيط بهم فيضان نوح".

لقد حان الوقت لتهدئة الأمور. وأفضل السبل للتهدئة يتلخص في التحلي بنظرة بعيدة.

إذا سارت الأمور على ما يرام في الصين والهند على مدى الجيل المقبل، وإذا لم تقع الكارثة في قلب الشمال الأطلنطي الثري الذي يعيش عصر ما بعد الصناعة في الاقتصاد العالمي، فإن الجيل المقبل سوف يبلغ مَعلَماً حقيقياً على الطريق. فللمرة الأولى، سوف يحصل أكثر من نصف سكان العالم على ما يكفيهم من الغذاء لسد رمقهم، وما يكفيهم للحصول على المأوى والملابس التي تقيهم من البرد، والرعاية الطبية الكافية لكي يبتعد عنهم شبح الخوف من وفاتهم هم وأطفالهم قبل الأوان بسبب طفيليات مجهرية.

سوف يكون الملل أكبر المشاكل في مواجهة أغلب بني البشر. وبالطبع سوف يكون لزاماً على البشر أن يتعاملوا مع المجرمين الذين كانوا ذات يوم يستخدمون الرماح كأسلحة ولكنهم باتوا الآن يستخدمون الصواريخ الموجهة والقنابل الهيدروجينية، أو الطفيليات التي أصابت الإنسانية منذ فجر التاريخ.

ولكن كيف تحققت مثل هذه المعجزة؟

يقول البعض إن السبب يكمن في تحرر العالم من الوهم: ذلك هو التحول من نظرة عالمية كانت تعتمد على الصلوات واستعطاف الأرواح إلى نظرة تعتمد على الاستغلال العقلاني للطبيعة والمجتمع. ولكن الإغريق الكلاسيكيين كانت لهم فلسفة طبيعية، وكان الرومان الكلاسيكيون يؤمنون بضرورة استكشاف عناصر النجاح وتطبيقها. ولكن جُل ما أنتجه فلاسفتهم لم يتجاوز بعض الأعمال الرائعة في الهندسة المعمارية والبنية الأساسية ونظام التدريب العسكري الذي نجح في نشر مجتمعاتهم إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط.

ويزعم البعض أن المعجزة كانت نابعة من الثورة الزراعية التي حررت قسماً ضخماً من قوة العمل للقيام بتصنيع بعض الأشياء بدلاً من زراعة المحاصيل الغذائية. ولكن الصين في القرن الحادي عشر شهدت ثورة زراعية أضخم وأسبق من ثورة القرن الثامن عشر في بريطانيا، ورغم ذلك فقد انتظرت ألف عام أخرى قبل أن تتمكن من البروز كقوة عالمية.

ويقول البعض إن الغزو الأوروبي للأميركتين يستحق أن نرجع إليه الفضل. ولكن ما حملته السفن العائدة من أميركا إلى أوروبا عبر الأطلنطي، والثمن الذي دفعه مستوردو السلع الآسيوية بالمنتجات الأميركية، لم يكن ثروة حقيقية. بل كان مجرد أكوامٍ عقيمة من الذهب والفضة، وبعض السعرات الحرارية الفارغة (في هيئة سكر)، وبعض المنتجات ذات التأثير النفسي؛ القهوة، والشاي، والشوكولاته، والتبغ.

ويقول البعض إن الثورة التجارية وصعود الطبقة المتوسطة من أهم العوامل التي دفعتنا إلى مشارف تحقيق النصر على الندرة. ولكن آدم سميث في عام 1776 ، وديفيد ريكاردو في وقت لاحق، كان يتطلع إلى مستقبل بريطانيا الذي بدا أشبه بنظيره في الصين، بلد بأكمله يتمتع بإنتاجية زراعية عالية وتقسيم ناضج للعمالة ولكنه يؤوي عدداً كبيراً من الفلاحين الفقراء وأهل الطبقة العاملة الذين يحكمهم ملاك الأرض الذين يتمتعون بثراء فاحش.

أو ربما كانت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر في بريطانيا، المحرك البخاري، وسباكة المعادن، ومحالج القطن، هي التي دفعت قطار التقدم إلى الأمام. ولكن في عام 1871 كان جون ستيورات مِل يقول في كتاباته إنه من المشكوك فيه ما إذا كانت كل مخترعات الثورة الصناعية قد نجحت في تخفيف كدح أي عامل.

وإذا نظرنا إلى الوراء، فسوف نجد صعوبة بالغة في تجنب استنتاج مفاده أن التغيير الحقيقي لم يأت إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وكان ذلك التغيير الحقيقي يتألف من ثلاثة أجزاء.

أولاً، كان ظهور الاتصالات العالمية يعني أن الأفكار المبتكرة أو المكتشفة أو المطبقة في جزء من العالم من الممكن أن تنتقل بسرعة إلى أجزاء أخرى من العالم، بدلاً من الانتظار لعقود أو قرون من الزمان قبل أن ترتشح ببطء عبر المحيطات.

ثانياً، كان قدوم وسائل الانتقال العالمية يعني أن أي فكرة جدية من الممكن أن توضع موضع التنفيذ من أجل إنتاج أرباح هائلة مع اكتسابها المزيد من النفوذ في مختلف أنحاء العالم.

ثالثاً، ونتيجة للسببين الأولين، كان ظهور المخترع المحترف والمختبر البحثي الصناعي من الأسباب التي أدت إلى نشوء طبقة من الناس الذين لم يكن عملهم يدور حول تصنيع وتطبيق اختراع بعينه، بل حول ابتكار عملية الاختراع والإبداع المستمرة الثابتة ذاتها.

ولأن هذه التطورات الثلاثة حدثت في الوقت نفسه تقريباً، فقد تسنى لنا أن نحصل على الكتلة الحرجة والتفاعل المتسلسل اللازمين لدفعنا إلى ما وصلنا إليه الآن. ولا يسعنا إلا أن نأمل استمرار هذا الزخم، وعدم إفسادنا له بإغفال كل ما كان له أبلغ الأثر في بلوغنا هذا المبلغ اليوم.

* مساعد وزير خزانة الولايات المتحدة سابقاً، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وباحث مشارك لدى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية.

خاص بـ"الغد"] بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق