مسارات آمنة للحوار بين الحكومة والمعلمين

تم نشره في الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

اللقاء الذي أجراه رئيس الوزراء سمير الرفاعي، الأربعاء الماضي، مع ممثلي المعلمين الحكوميين والذي يقال إنه استمر خمس ساعات، سمح، كما يبدو، بوضع حد للإضراب والاحتجاج الذي قام به المعلمون، وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد، يؤمل أن ينتهي بحلول توافقية تقدم للمعلمين مكتسبات حقيقية، وليس مجرد وعود تنفيسية، تعيدنا بعد عدة أشهر أو سنوات قليلة، إلى مواجهة ذات المعضلة مجدداً.

الكلام الطيب الذي أطلقه جلالة الملك ورئيس الوزراء بحق المعلمين، بل وتأكيد الرفاعي في اجتماعه مع ممثلي المعلمين بأن "رسالتهم وصلت"! فتحت الباب أمام إقناع المعلمين بالعودة إلى مدارسهم. وها هي المبادرة الآن بيد اللجنة الوزارية المكلفة بالحوار مع المعلمين ومتابعة مطالبهم، والتي يرأسها نائب رئيس الـوزراء د. رجائي المعشر. فما عساها تقترح من حلول؟!

تستطيع اللجنة المذكورة اقتراح حُزمة من الإجراءات الآنية والسريعة لإيجاد الموارد اللازمة لمنح المعلمين علاوة الـ 5 %، بناء على اقتراح وزير التربية، وكذلك إعطاء الاولوية للمعلمين للانتفاع من "مبادرة سكن كريم"، ومن الخفض الأخير على كلفة البناء (بنسبة 15 %) وغير ذلك من الخطوات التي يمكن أن تسهم في تحسين أوضاع المعلمين المعيشية. لكن هذا القطاع يحتاج إلى نوعين من الإجراءات متوسطة وطويلة المدى، في مقدمتها تقديم مكتسب اعتباري حقيقي وملموس للمعلمين، قد لا يحمل اسم النقابة لكنه يحمل مضمونها ووظائفها وأدوارها. النوع الثاني من الاجراءات هو وضع خطة زمنية محددة لتقليص الفجوة بين دخول المعلمين ودخول بقية الفئات الأخرى من الطبقة الوسطى، على أن تترافق مع برامج تأهيلية وحوافز مادية ومعنوية.

وبالعودة إلى مطلب نقابة المعلمين، فإن رئيس الوزراء كان واضحاً وصريحاً حين قال إن هذا الأمر قد حسمه "المجلس العالي لتفسير الدستور" بعدم جوازه. لكنه فتح الباب أمام إنشاء أشكال أخرى من التنظيم للمعلمين، مثل الجمعيات والروابط أو غيرها.

والسؤال ماذا عسى لجنة المتابعة الحكومية أن تقترح في هذا المجال، وبخاصة أنها تعي أن المطلوب هو تقديم مكتسب حقيقي للمعلمين، وليس مجرد ترضية مؤقتة، أو أُطر تنظيمية مستهلكة مثل نوادي المعلمين، أو ما شابهها من الصيغ.

الأردن عرف في أواسط الخمسينيات (1954/ 1955) وجود عدة نقابات للمعلمين، أولاها نقابة لمعلمي ومعلمات وكالة الغوث الدولية، التي تأسست عام 1954 في القدس، وكان لها عشرة فروع أخرى في مدن الضفتين. أما النقابة الثانية فكانت تضم معلمي ومعلمات المملكة، وكان مركزها عمان مع خمسة فروع أخرى لها في اربد ونابلس والقدس والخليل والكرك ومعان. وكانت هناك نقابة ثالثة لمعلمي ومعلمات المدارس الكاثوليكية في عمان. بل إن الأردن عرف، خلال ذات الفترة، وجود نقابات لموظفي الحكومة والبلديات بلغ عددها خمسا توزعت ما بين عمان والقدس ونابلس وإربد.

لقد نشأت هذه النقابات في ظروف إقبال مختلف الفئات العمالية والمهنية على الانتظام النقابي. وقد ثار الجدل منذ ذلك الحين حول ما إذا كان تعريف لفظة "العامل" الواردة في قانون نقابات العمال رقم 35 لسنة 1953 يسري على موظفي الحكومة. وقد طلبت الحكومة من ديوان تفسير القوانين تقديم فتواه بهذا الصدد، فكان أن أصدر قراره رقم 27، الذي قضى بأن لفظة "العامل"، التي وردت في قانون نقابات العمال المذكور آنفاً، لا تشمل موظفي الحكومة.

وبناء على ذلك أصدر رئيس الوزراء، يوم 14 كانون الثاني 1956، بلاغاً يعلن فيه عدم شرعية نقابات الموظفين، حيث جاء في نص البلاغ: "بناء على قرار الديوان الخاص بتفسير القوانين رقم 27، الصادر بتاريخ 17/12/1955، والذي يعتبر الموظفين غير مشمولين بأحكام قانون نقابات العمال لسنة 1953، فإن جميع نقابات الموظفين التي أُلفت سابقاً، استناداً إلى القانون المذكور، تعتبر غير قانونية ولا وجود لها".ومنذ ذلك الحين اصطدم تطلع المعلمين الحكوميين إلى نقابة خاصة بهم بمصدات وعوائق قانونية وسياسية. لكن هذا لم يوقف نضالاتهم من أجل نقابتهم، كما تظهر ذلك عدة محطات تاريخية، منها إحياء نقابة المعلمين في فترة ما بعد 1967، والتي انتهت بانتهاء الأوضاع السياسية والأمنية الاستثنائية. وفي أواخر السبعينيات تجددت مطالبة المعلمين بنشوء نقابة عامة لهم، ونشأت "اللجان التحضيرية للمطالبة بحق المعلمين الحكوميين في التنظيم النقابي" عام 1978، حيث حددت هدفها بتوحيد المعلمين وراء مطلب الاتحاد النقابي العلني والشرعي، باعتباره الاداة الوحيدة لتحسين أوضاعهم، وباعتباره عنوان الاعتراف الرسمي الفعلي بدور المعلمين التربوي ومكانتهم الاجتماعية".

لقد رفع المعلمون الحكوميون مطالبهم بإنشاء نقابة تمثلهم إلى المجلس الوطني الاستشاري، في عام 1983، حيث حظيت بتأييد عدد من اعضائه، كما أُثير المطلب ذاته بعد ذلك، في جلسة الحريات الشهيرة لمجلس النواب الأردني، يوم 15 أيار 1984. وقد أعطت حركة المعلمين هذه بعض الثمار الأولية، فقد قررت الحكومة تخصيص قطع من أراضي الدولة لاقامة نوادٍ ثقافية واجتماعية للمعلمين الحكوميين، وخصصت 5 % من المقاعد الدراسية في الجامعات الأردنية لأبناء العاملين في التعليم الحكومي، ومددت فترة تسديد أقساط شقق مشاريع الاسكان الخاصة بموظفي وزارة التربية والتعليم.

لكن الوزارة ذاتها ردت، في أواخر 1984، على مطلب المعلمين الداعي لاقامة نقابة لهم بالرفض واستعاضت عنه باقتراح يدعو إلى تشكيل "روابط" للمعلمين، حسب تخصصاتهم الدراسية أو المهنية. وبعد أن بررت الوزارة رفضها للنقابة بحجة أن المعلمين جزء من الجهاز الحكومي الخاضع لنظام الخدمة المدنية، أعلن رئيس الوزراء صراحة أن تأسيس نقابة للمعلمين هو "موضوع سياسي بحت، وان لحكومته اجتهادا سياسيا بهذا الشأن يرى أن المصلحة العامة والأمن في مثل هذه الفترة التاريخية والظروف المتعلقة بها والمحيطة بهذا البلد تجعل الحكومة لا توافق على إنشاء هذه النقابة".

لقد تم إفتتاح أول ناد للمعلمين في عمان عام 1990، وتلاه إنشاء نوادٍ أخرى للمعلمين في عدد من المحافظات، لكنها ظلت تضم أعداداً قليلة من المعلمين والمعلمات، وأخفقت في التحول إلى مؤسسات حيوية تشبع طموح المعلمين إلى جسم يمثلهم ويجسد تطلعاتهم وينقل مطالبهم، ما أحال النوادي إلى هياكل تنظيمية مفرغة من مضمونها، والى مقرات خالية من الحياة والنشاط.

ومع دخول الأردن مرحلة الانفتاح السياسي، التي تؤرخ بعام 1989، عاد مطلب انشاء نقابة للمعلمين للظهور ثانية. وقد نجح هذا المطلب بالحصول على دعم مجلس النواب الأردني، الذي تدارس، عام 1994، مشروع قانون خاص بذلك. لكن التشريع المذكور اصطدم برفض مجلس الأعيان الذي قرر اللجوء إلى "المجلس العالي لتفسير الدستور"، حيث أفتى الأخير بعدم دستورية قيام نقابة للمعلمين الحكوميين.

وهي الفتوى الذي استعان بها وزير التربية والتعليم د. إبراهيم بدران مؤخراً لرفض التحركات الأخيرة للمعلمين من أجل نقاباتهم.لقد أردنا في هذا العرض المكثف لمسلسل معلمي الحكومة أن نلفت الانتباه إلى ترسخ هذا المطلب وتجذره في وجدان المعلمين، فهو ليس بالمطلب الطارئ، ولا يمكن اختزاله بربطه بأجندة وتحريض فئة سياسية بعينها، فهو في حقيقة الأمر مطلب "عابر للأجيال". و"متجاوز للأحزاب والتيارات". والواقع أن نقابة المعلمين هي ضحية ميراث سياسي وثقافة رسمية تعود إلى زمن القوانين الاستثنائية والمحافظة السياسية التي كانت تناهض "النقابية" كما ترفض "الحزبية". والسؤال أين مصلحة الأردن في التمسك بهذا الميراث، وهو يلج القرن الواحد والعشرين؟!

من الضروري أن نلفت انتباه اللجنة الحكومية المعنية بمتابعة قضية المعلمين أن ما يطرح اليوم من الجانب الرسمي، سبق أن رُدد قبل عشرين أو ثلاثين سنة. فأين الجديد الحكومي في استبدال مطلب النقابة بالجمعية أو الرابطة، وما الفرق بينهما؟

مرة أخرى، ندعو الحكومة إلى أن تضع على مائدة الحوار مكتسباً جدياً للمعلمين، وما سوف تضعه على الطاولة يجب أن ينسجم مع المعايير والاتفاقيات الدولية للعمل، والتي وقع عليها الأردن. فهي بذلك تفي بوعودها للمعلمين الذين وثقوا بها وعادوا إلى مدارسهم، كما تلبي التزاماتها تجاه منظمة العمل الدولية والاتفاقيات الموقعة معها. ولعل الحكومة تلجأ إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للمساعدة في ايجاد حل لهذه المعضلة، فتقديم النصح والمساعدة للحكومة هو واحدٍ من وظائفه المهمة.

لا بد من ضع خطة زمنية لتقليص الفجوة بين دخول المعلمين ودخول بقية الفئات الأخرى من الطبقة الوسطى، على أن تترافق مع برامج تأهيلية وحوافز مادية ومعنوية

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معلم طفران (ابن البلد)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    المعلم يفكر اولا في كيف يطعم اولاده,قبل ان يستفيد من مشروع سكن كريم.فاذا ارادوا حل مشكلة سكن كريم على حساب المعلم.اعتقد هذا لن يفيد المعلم في شيء.المطلوب رفع رواتب المعلمين ليستطيع العيش في هذا الغلاء قبل ان يفكر في شراء شقة.
  • »تحية تقدير الى كل المعلمين (heba)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    يحيا المعلم