حنان كامل الشيخ

وطن بديل

تم نشره في الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

الرجل يمشي بهدوء، عاقدا ذراعيه خلف ظهره... يستعرض الخيارات المتبقية لعشاء الليلة ويتذكر... اليوم انفض المولد وغدا أعود للمدرسة... يقف عند بسطة الخضار ويقرر... هذا عشائي الأخير... غدا سأقبل على المغامرة وأدلف جسدي في أول قارب وإن لم يكن شرعيا... أي موج ضارب في الجنون سيكون شرعيا أكثر من يابستي اليابسة تلك... وهو في مكانه نفسه يسمعها تدعو له بطول العمر أن يتقاسم وإياها حبات البصل والبندورة لأنها بجد جائعة ولم تأكل منذ البارحة... ينظر إلى عينيها البلديتين ويتراجع... حسنا سأصبر... أنتما وطني البديل!!

المرأة يقض مضجعها خبر الفقر الذي تسلل الى عروق الأطفال، وامتص نصف دمائهم، وها هو ذا يمد لسانه مهددا الجيل القادم بأنيميا تسلخ أيامهم... 54% من الأطفال يعانون فقر الدم... والمختصون المبرمجون يتحايلون على شح التروية ويدقون ناقوس خطر الشيبس والعلكة والعصير الفاسد!

تتحسس المرأة جوازات سفر ابنتيها من تحت وسادتها وتعيد على نفسها ترنيمة النوم... غدا أبحث لنا عن هواء وماء وأفق ودماء...

وحين يطلع النهار تستيقظ على أصوات الصغار في المدرسة المجاورة ينشدون من دون انسجام... موطني موطني... تسحب يدها من تحت الوسادة وتبتسم للسقف وتقبل أصواتهم المزعجة وتتذكر... حسنا سأصبر، حناجركم هي وطني البديل!

الصحافية التي رفض تحقيقها عن "إدمان الحشيش" لأسباب أمنية، تدق بأصابعها على حافة شباك السيارة وتنظر من خلف نظارتها الشمسية إلى رقيب السير الذي أوقفها من أجل... أن يوقفها!

تستغرب معه كيف أن رخصة القيادة لا تحوي خانة لاسم الأم! وتعده أنها ستبقي على حزام الأمان مربوطا حتى دخولها إلى السرير...

وحين تمضي وتتأكد أنه صار على زجاج مرآتها الأمامية تمسك هاتفها المحمول وتتصل بصاحبتها لتبدأ حفلة السباب على رجال يتحكمون بطريقها، بدءا من رئيس تحرير لا يجرؤ، وليس نهاية بزوج لا يقرأ!

فجأة تقفز أمامها بنت شقية بمريول المدرسة الحكومية... تحتفل بأول بشائر الصيف وتلتهم على عجل عود بوظة ثلجية ملونا قبل أن تصل الدار... فتعرف الصحافية العصبية أن الحياة هنا تتسع لقضم المثلجات، وما عدا ذلك فهو قيمة مضافة!

تفتح زجاج السيارة التي كانت ستصدم جرأتها وتصرخ بوجهها... حسنا سأصبر فأنت وطني البديل!

فيا وطنا غلَق طاقات الفرج بمتاريس الأقحوان والعليق والياسمين، ولقنني أن حاسة الشم تنوب عن كل الحواس... يا ألما يزداد ألما يعصر بخاصرتي من ناحية الكبد... دعني أشق طرف الثوب من أسفله علَّ نيسان القادم بعد غد يعيرني بعضا من غبار طلعه... فأزهر شيحا وميرمية وزعترا... على الأقل لن نصاب أنا وأنت بالبرد ولا بمغص الأيام... افعل ذلك وأغمض عينيك عني... ثق بي ولو مرة ... لأنك، وطني وأنا، الوطن البديل!

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رأيي في المقال بصراحة (ع.ع)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    المقال مو سهل نهائيا و يفسر على أكثر من وجه.. قولي لها من أجمل ما كتبت لأنه يحمل ما بين سطورة نقد لاذع وذهبت بكلماتها إلى أبعد مدى و قولي لها أنه يصنف مقال سياسي أو إجتماعي أو نقد للذات و للمجتمع ... نادر من يجيد إستخدام هذه اللغة . مو مجاملة كلمات لن تنسى. شعرت أني أقرأ عن نفسي عندما أصطدم في حياتي سأقول وطن بديل لأن وطني الأصيل سيكون قبري.
  • »الفقر (أمل حوامده)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    يا ريت الوطن البديل اللي حكيتي عنه بيحل مكان الوطن الحقيقي حتى المرأة الفقيرة وأطفال المدارس ما بيشوفو حالهم هيك لانهم مش فاضيين يحسوا ويشعروا . لو كان الفقر رجلا لقتلته.. من قائل هذه الجملة ؟
  • »نعم انه الوطن (زهير الحوراني)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    نعم فالوطن ليس المكان فقط ولا الأمان فقط ..
    ولا الطعام فقط ..
    بل هو كل ذلك وأكثر
    انه الانتماء
  • »كلام المهاجرين (زكريا طهبوب)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    لقد تحول الوطن في أحسن أحواله إلى وقت قصير للاستجمام مع كل مغامرة الدخول المحفوفة بالخطر، للتمتع بطقس جميل لا فضل فيه للجهد البشري، واستعادة ذكريات الطفولة، يعيش الفرد أجمل لحظاته في الطائرة إلى الوطن وعند الخروج منه، عندما يكتشف بمرارة أنه لا يستحق أكثر من إجازة فلقد كان فيما سبق وطناً، قد يتمنى أن يدفن فيه ولكن لا أن يعيش فيه أبدا !
  • »كل شيئ يدعو للهجرة بعيدا ... (سلامه الطيراوي)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    كاتبتي المحترمة.........
    لو سمحت لي سأختلف معك في هذا المقال و أوافق الأخ مازن بأن الفقر قلادة لا يمكن نزعها من رقابنا... كل شيئ يدعو للهجرة و الابتعاد عن الثلاثي الذي ذكرته في مقالك : الفقر التجهيل و حبس الحريات !!!
    لا شيئ يتغير يا سيدتي لا شيئ يتغير الا للأصعب ...
  • »طلال (طلال)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    السيدة الفاضلة حنان الشيخ , الوطن البديل عيون النساء في المدن و ضحكات الأطفال البريئة و نشيد موطني الجميل و الذي ذكرني بزمن الفن الجميل و مسرحية كاسك يا وطن !! و دعيني أضيف أن الوطن البديل كلام جميل مثل الكلام الذي كتبتيه اليوم , شكرا جزيلا لك على هذا المقال الرائع .
    طلال عويناتي
  • »علينا أن نتحلى بالأمل (د. ميسون زعيتر)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    يعلمنا مقالك اليوم كيف نحب هويتنا ونتمسك بها كيف نحب ديننا وثقافتنا وحضارتنا
    كيف نحب اوطاننا
    كيف نسترجع ثقتنا بأنفسنا و نحب تفاصيلنا الصغيرة
    عندنا مثل قديم يقول الضربه التي لا تحطمك تزيدك قوة
  • »وطن بديل (Ahmed Faris)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    الكاتبة الراقية حنان الشيخ ,,,
    أتابع مقالاتك دائما و هذه أول مرة أكتب لأحد الكتاب ردا ,, فمقالك هزني من داخلي و هو أجمل ما كتبت (برأيي) ,,
    نعم سيدتي فالوطن مثل الأب الذي يعطي و يعطي حتى يكبر ,, ثم يأتي اليوم الذي نصبح فيه آباء لآبائنا ,,, لأنهم فقدوا القدرة على العطاء ,, المشاهد التي صورتيها في مقالك هي زادنا للمكوث و البقاء و الدفاع عن حقنا في أوطاننا ,,, و رغم أنها مشاهد صغيرة و لكنها عميقة جدا جدا جدا ,,, فشكرا لاخلاصك لوطنك و لأنك تدفعيننا للبقاء و الصبر ,, لأن هتاك أشياء كثيرة تصلح لأن تكون أوطانا بديلة
  • »من احلى المقالات (لدود)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    القراءة ما بين سطورك اخطر من قراءة السطور ,,,,,,,,,,,,,,,,بصراحة : مقال ممتاز رغما عني اقولها!
  • »ضريبة الفقر .. والوطن البديل ! (حمزة مازن تفاحة)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    من قال انك الوطن البديل ؟
    لا تستمعي إلى وشاية النفس الداخلية!فأنت لست كذلك أبداً.
    لكن يحدث أن تترتب الأمور على هذا النحو أحيانا من البساطة أو التعقيد يا وطناً متكاملا من المحيط إلى الخليج !
    لا أخفي عليك ، لم أكن أرغب بأن أكتب هذا اليوم لأسباب كامنة تستقر في القلب !
    لذا اسمحي لي أن أكتب لكِ مضطراً بإسم الوجع والآلم والارق الذي تجمع في القلب المجهد دفعة واحدة وفي مآقيّ ومجرى الروح أيضاً!
    سيدتي :
    الفقر مذاق مر وريق مر واحساس مر يبعث بالخجل والانطوائية والتردد وضعف الثقة بالاضافة إلى كونه امتهان كبير للشخصية وشعور بالضعف يبقى يصاحبك أينا وجدت حتى وأنت نائم!
    صدقيني فأنا لا أبالغ.
  • »و يبقى جميل. (عصام علايا)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    فلنتمنى بأن يكون هذا الوطن جميل و نعمل جميعا بأن يكون كذلك.. كي نحيا مفعمين بالحب و الأمل و الغد الأفضل.. نورث لأحفادنا قصص الوفاء و البر و أن الله خلق الأرض بعيدة عن السماء كي تصل حريتنا للسماء عندها نرقد في قبورنا بسلام.
  • »أجمل ما سمعت عن الوطن !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! (س.ش الأصلي)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    حنان !!!!!!!!!!!!
    كيف استطعت ان تخاطبي الوطن و تكوني وجها لوجه امامه مباشرة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟أنت وطني و أنا الوطن البديل ...أجمل ما سمعت بحياتي من عبارات الغزل في الوطن !!!!!!!
    حنان لقد تفوقت على نفسك و أسعدتينا بمقالك المرهف و الرائع و النابع من (حنان أصلي ) !!!!!!!!!!!!!!!
  • »من يسطيع ان يفهم (محمد مجدلاوي)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    كلام جميل ولكن قليله قليله تسطيع ان تفهم هذا الكلام الذي نعيشه ولا نسطيع ان نعبرعنه
  • »أنا الوطن البديل (سائد المغازي)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    أسعد الله صباحك بالورد و الميرميه و الزعتر أخت حنان ..
    بالحق ان الانسان هو أهم عنصر في الوطن و باصراره و ثباته أمام الضغوط أيا كان شكلها , يكون هو الوطن ..
    الوطن الحقيقي بالنسبة لي هي أمي التي كافحت من أجل تعليمنا .. هو أبي الذي كان يقطع اللقمة من داخل فمه و يطعمنا .. هم جيراني و اصحابي القدامى الذين تقاسمنا معهم الحلوة و المرة.. و برغم ذلك فأنا واحد من القلائل الذين اجبروا على الغربة و الخيار لم يكن بيدي .. لكنني أحمل وطني في قلبي و روحي و عقلي و أعرف أنه يبادلني نفس الشعور لأنه وطني و أنا الوطن البديل .. مقالك اليوم أنزل الدمعة من عيني و لكنه جعلني أفتخر بنفسي ... شكرا ...
  • »ما هو الوطن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (شحادة عريقات/ جامعة العين)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    متى كانت الاوطان ترابا ؟؟ الاوطان هم الناس هم الشعب هم الانفاس التي نحيا بها ... و كما قلتي يا (سيدة الكلمات) الوطن اطهر من كل المؤامرات التي يحيكها البعض لتشويه سمعته .. لكن الطيبين من الناس ينقذون سمعته الطيبة و يعيدونه لنا بالشكل الذي نحبه و نحترمه .. سلمت اناملك الرقيقة .
  • »أجمل ما كتبت ... (عاتكة الشوا)

    الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010.
    تسلملي عينك يا حنون !
    أجمل مقال تكتبيه بحياتك ..
    يسلمو ايديكي..