إبراهيم غرايبة

حلول ثقافية لأزمات اقتصادية

تم نشره في الاثنين 29 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

يتحدث تقرير البنك الدولي عن استخدام صغار التجار في بلدان كثيرة آليات غير رسمية لحل نزاعاتهم، ويعقد رجال البنوك في اليابان صفقاتهم بالمصافحة باليد أكثر منها بالعقود القانونية، وتعد النظم الاجتماعية غير الرسمية حاسمة، وخصوصا للفقراء في تحصيل الحقوق والفرص، وهذا النظام الاجتماعي يمكن أن يقدم ضمانات لتحصيل الحقوق وتشجيع العمل دون هدر كبير في المحاكم للوقت والمال والجهد.

وتشكل هذه الأنظمة ثقافة تؤثر بوضوح في السوق والاقتصاد مثل دفع الضرائب أو التهرب منها، فالتزام الناس بأداء الحقوق باعتبارها دينا واجب السداد لتكليف ديني أو ثقافة اجتماعية يقلل كثيرا من أعباء النزاعات والإدارة ويقلل من الهدر، ويجعل التهرب من أداء الضريبة أو الدين عيبا وانحرافا اجتماعيا يؤثر على سمعة الإنسان وموقفه الاجتماعي، ويمكن تطوير ذلك على نحو مؤسسي عندما تتعاون المؤسسات في تبادل المعلومات حول من يتهرب من دفع التزاماته. ويحدث العكس أيضا عندما تنشأ ثقافة تشجع على الفساد والمحسوبية والتهرب من الواجبات الضريبية والعامة.

وتكون الثقافة أحيانا بديلا فعالا للمؤسسات الرسمية وخصوصا في الدول الفقيرة أو المجتمعات البعيدة والمعزولة، ولكنها فعالة أيضا ومستخدمة في أبراج الشركات التجارية الكبرى في المدن العامرة.

ويمكن أن تفرض الثقافة الدينية والاجتماعية سياسات عامة لمكافحة الفساد أكثر فعالية من القوانين والأنظمة المؤسسية المالية والإدارية والقضائية، وهناك دلائل قوية على أن المستويات الأعلى للفساد تقترن بمستويات أدنى من التنمية ومن دخل الفرد.

وقد وجدت حركات بيئية كثيرة الحل في مواجهة التلوث والعمل الإيجابي لبيئة نظيفة في تنظيمات اجتماعية تجعل الناس قادرين على حماية البيئة ومنع المشاريع التي تضر بهم. ويلاحظ أن معظم، إن لم يكن جميع، المشاريع التي تعتدي على البيئة وحياة الناس مردها الرئيسي إلى ضعف السكان المقيمين في محيط منطقة المشروع واستقواء الشركات عليهم وضعف أو انعدام الجمعيات والمؤسسات التي تنسق جهود الناس وتسعى لتحقيق احتياجاتهم. وفي المقابل، فقد أمكن إقامة مشاريع ناجحة في التنمية أو في مواجهة اعتداءات الشركات والحكومات.

ويؤكد تقرير التنمية البشرية للعام 1999 أن مفاهيم الكفاءة الاقتصادية والأسواق التنافسية على أهميتها ليست كافية لتحقيق التنمية، وأصبحت السياسات الاجتماعية أهم اليوم مما كان من قبل من أجل توظيف العولمة لخدمة التنمية البشرية وحماية الناس من تهديداتها الجديدة.

ويعرض التقرير تجارب متشابهة لأقطار مختلفة بعضها نجح وبعضها فشل، رغم التماثل في الإجراءات والسياسات، والسبب هو اختلاف التقاليد والثقافات وإجراءات الحماية والتعزيز التي اتخذتها الدول لمواجهة الآثار والتداعيات المختلفة أو ما يمكن تسميته بـ"المحاسبة الاجتماعية".

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »... (هيثم الشيشاني)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    أبدأ من حيث انتهيت أستاذ إبراهيم؛ "المحاسبة الاجتماعية" هي بالضرورة انعكاس ثقافي/قيَميّ. و إن لم توجد الأسس الكفيلة بإيجاده و كذا استمراره فلن يكون إلا اسما ً برّاقا ً جميلا ً من غير حوْل و لا نفع.
    السياسات الاجتماعية بمجملها أقوى من المفاهيم الاقتصادية و نتائجها لأنها ببساطة الأساس و لبس العكس -الإنسان طوّر مفاهيم و نظريات اقتصادية تعينه على النموّ و التأقلم- و للثقافة دور رئيس بالتأكيد في توطين مثل هذه المفاهيم الاجتماعية في المجتمع بغية الاستفادة من تطبيقاتها المجتمعية العديدة.
    السؤال المهمّ طبعا ً عن الكيفية لتطبيق هذا عندنا! الإجابة متعدّدة المحاور و لكن أساسا ً محوريا ً فيها يبقى التربية و زيادة الوعي المجتمعي بكل أطيافه و لو على نطاق ضيّق -كبداية- و أيضا ً بالتدريج. (مع استلهام الوسائل الكفيلة بالاستمرارية بما و يتوافق مع خصوصية المجتمع المحلّي بتعريفاته المختلفة)
    شكرا ً لمقال اليوم و أرجو أن يتكرّم علينا الأستاذ إبراهيم بطرح ما يراه من آليّات متناسبة مع وضعنا لتحقيق الجانب التطبيقي المنشود من المسألة.