المعلمون والتمرين الديمقراطي

تم نشره في الأحد 28 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

من المؤمل ان يكون المعلمون قد عادوا إلى صفوفهم وطلبتهم في مدارس المملكة كافة هذا اليوم، بعد  توجيهات الملك في حديثه مع رؤساء تحرير الصحف  يوم الأربعاء الماضي، والتي قدمت رسالة واضحة ربطت بين مكانة الدولة وصورتها ومكانة المعلمين ودورهم، وبذلك نجد أنفسنا نفتح صفحة جديدة تحتاج إلى مناقشة مسؤولة لتجيب عن السؤال المركزي؛ ماذا بعد؟

تأتي أهمية هذا السؤال بعد أن نجح المعلمون في لفت الانتباه إلى قضاياهم التي احتلت الأولوية الوطنية الأولى على مدى أسبوعين، ومارسوا تمرينا  ليس وهميا في الديمقراطية والقدرة على تصعيد المطالب والتنظيم المهني، وأكدوا من دون مزايدة أو اغتيال للإنجازات أن التعليم هو الاستثمار الأغلى  والأثمن للإدارة السياسية الوطنية. ولعل الوضوح الذي قدمته الرسالة الملكية يحسم من دون شك علاقة السياسة بالتعليم في الأردن بعيدا عن المصادرات وبيع الأوهام.

تثبت التجربة الأردنية في التعليم النظامي الذي تجاوز عمره قرنا، قبل الدولة وبعدها، حجم ما يمثله هذا القطاع من قيمة أساسية ومصيرية في تكوين قوة المجتمع والدولة معا؛ الأمر الذي حوّل التعليم عبر السنين إلى قوة هائلة وحساسة تشكل مركز الجهاز العصبي للمجتمع وبوصلة الدولة، لذا تكمن في صلب هذا القطاع جوهر الممارسات السياسية التي تحتكرها الدولة.

من السذاجة أن نقول افصلوا التعليم عن السياسة، بل حان الوقت أن نفهم الديناميكيات الذاتية التي أوجدت النموذج والتجربة الأردنية في التعليم والتي مهما تباكينا عليها أو اعترفنا أو أنكرنا أزمتها الراهنة، فهي التجربة الرائدة والأكثر جودة وإنجازا في المنطقة.

تعامل الأردنيون مع التعليم باعتباره المورد الأساسي لصناعة المستقبل، وأداروه بالندرة والصبر، وأضفوا عليه من القيم والمكانة ما يندر وجوده في مجتمع، لا تجد فيه القواعد الاجتماعية العريضة وسيلة لتحقيق الذات أو الارتقاء في السلم الاجتماعي إلا بالتعليم.  وبالتعليم وحده راهنت الدولة والمجتمع على بناء عناصر القوة، قبل أن نكتشف قوة الاقتصاد المعرفي المعاصر، وقبل أن تتحول  المعرفة الى أغلى عنصر في عناصر عملية الإنتاج كما يقال هذه الأيام.

لهذه الاعتبارات يمكن أن نفهم حساسية الدولة والمجتمع حيال تسييس التعليم الذي يتم التعامل معه كالأمن وكعناصر القوة الأخرى التي تحتكرها عادة الدولة، والتي كما قد تكون نعمة في لحظة ما قد تتحول الى نقمة ومصدر للفوضى والضعف.

هناك وجهات نظر ومدارس متعددة في قبول هذه النظرية أو رفضها، لكن من الواضح ان هذه النظرية التي خدمت أجيالا من الأردنيين، وصاغت وجهة الدولة المعاصرة وقادت التغيير الاجتماعي والثقافي الأكثر اتزانا ورشدا في المنطقة العربية على مدى عقود طويلة، ما تزال صالحة للاستمرار ما دامت معادلة القوة والثروة لم تتغير في بنية المجتمع وفي موارد الدولة.

السؤال الذي يعيدنا إلى السياسة، مع الأخذ بعين الاعتبار رفض تسييس التعليم، كيف نواجه أزمات التعليم وفي مقدمتها الأزمات المهنية وذات الطابع الاحتجاجي، وكيف نطور أدوات ديمقراطية مسؤولة يوثق بها من قبل المجتمع والدولة، للتصحيح الذاتي من داخل المجتمعات التربوية، قادرة على تصعيد المطالب وعلى إدارة النقاشات وحتى ممارسة الاحتجاجات، أي ديمقراطية التعليم بدل تسييس التعليم.

أول خطوة على طريق ديمقراطية التعليم أن لا يجد المعلمون العائدون إلى مدارسهم لجان تحقيق ومحاكم وعقوبات وإنذارات تنتظرهم، بل آذانا صاغية للتفكير بجدية في التخلص من الأزمات المتدحرجة الراهنة والمنتظرة، وأن يكون ما حدث مجرد تمرين في ديمقراطية التعليم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا (زهير)

    الأحد 28 آذار / مارس 2010.
    شكرا في توازن
  • »الفضل لاهل الفضل (معلم متابع)

    الأحد 28 آذار / مارس 2010.
    من اظهر قضية المعلمين على السطح وسلط الضوء عليها ثلة من المعلمين تداعوا بدافع الحرص على الوطن والمهنة وليس وراءهم اي دوافع سياسية كما يروج البعض والعبد الفقير شاهد على بدايات الفكرة وهذه الثلة هم اعضاء(اللجنة التحضيرية لاعادة احياء نقابة المعلمين) ومقررها الاستاذ الفاضل عبد الغفور القرعان وقد اظهروا قمة المسؤولية في ادارة الموقف في عمان ولهم جزيل الشكر والامتنان
  • »لا بديل عن النقابه (احمد الجعافرة)

    الأحد 28 آذار / مارس 2010.
    اشكر الكاتب باسم الطويسي على مقاله هذا واتفق مع وجهة نظره التي تقول بان ما حصل تمرينا على تطبيق الديمقراطيه بمعناها الفعلي والواقعي البعيد عن التنظير في الصالونات المغلقه؛
    تلك الديمقراطيه الحيه التي مارسها المعلمون سواء بتشكيل لجانهم التحضيريه او بتصعيد مطالبهم المهنيه اعتقد انها جميعا تصب بنفس الهدف الوطني وهو اعادة احياء نقابة المعلمين المجمده منذ 1957 ذالك العام الذي نعرف جميعا اثر الحراك الطلابي فيه ومدى درجة تأثيره على مجمل الحركه السياسيه في ذالك الوقت ؛ حيث كانت الثنويات تضع وزاره وتقيل اخرى بفضل المد الثوري الذي كان سائدا في تلك الفتره والتي كانت نقابة المعلمين آن اذن هي المحرك الرئيسي لهذا الجسم الطلابي المؤثر؛
    منذ سنة 1957 الى 2010 جرى تحت الجسر مياه كثيره اي بمعنى انه جرى تغير كبير على بنية العقل السياسي الثوري بحيث بتنا نتكلم عن حياه سياسيه تتخللها العقلانيه في طرح الرؤى والافكار دون تعصب او تمترس كما كان سائدا في تلك الايام الخوالي؛
    نعم على صاحب القرار ان يعرف اننا تغيرنا وبالاتجاه الايجابي وليس السلبي وكمثال على ذالك اقول لو ان هذه الاحداث حصلت في زمن سابق لكانت نتائجه مدمره على المجتمع والدوله معا وكا تلاحظون فان المعلمين اضربوا عن الدوام حوالي عشرة ايام متواليه الا انه لم يخدش في هذه الايام العشره لا بشر ولا شجر وهذا دلالة كافية على مدى تطور المجتمع الاردني وفي القلب منه معلمه الذي اصبح واعيا لدوره ومكانته تماما وهذا يعني بالمقابل انه امتلك وعيا كافيا للمطالبه بحقوقه التي تم اهدارها بسبب عدم وجود نقابه تحمي مصالحه التي هي جزء لا يتجزء من مصالح الوطن ؛
    حركة المعلمين في الايام السابقه لن تكون الاخيره بل انها البدايه ؛ وهذا ما نبأتنا به الايام السابقه خلال التواصل مع المعلمين في كافة ارجاء الوطن ؛ وما لغة البيانات التي صدرت عن هذه اللجان - لمن يقرأ مابين السطور- الا دلالة اكيده على ان معلمنا مصر اصرارا منقطع النظير على اعادة احياء نقابته المهنيه اسوة بباقي النقابات في هذا الوطن الذي هو وطن الجميع ؛
    اختم بالقول كل الشكر والعرفان لكل من ساند ويساند اعادة احياء نقابتنا المهنيه الهدف الاساس في هذا الحراك