اختراق غير مسبوق: الحكومة تصغي للمعارضة!

تم نشره في الأربعاء 24 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 

ربما يعتقد البعض أن حضور نائب رئيس الوزراء د. رجائي المعشر المؤتمر الوطني الاقتصادي ما هو الا خطوة استيعابية ذكية لمبادرة تنسيقية أحزاب المعارضة الأردنية، منظمة هذا المؤتمر أو مجرد ممارسة "علاقات عامة". لكني، ومن موقع المتتبع، أعتقد أن مشاركته في المؤتمر المذكور، وتعليقه على ما سمعه من أطروحات وآراء وانتقادات ترددت أثناء عرض برنامج الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي المقترح من قوى المعارضة، ما هي الا ترجمة لتوجه حكومي عام للانفتاح والحوار، فضلاً عن أنها ترجمة لنزوع شخصي لدى السيد المعشر للاستماع والحوار في الشأن الاقتصادي العام. ولذلك أرى أن حضوره ومشاركته في المؤتمر شكلا اختراقاً نوعياً للتقليد الحكومي الذي اعتاد مقاطعة هكذا أنشطة تقوم بها المعارضة، بل وخرقاً لتقاليد شبه ثابتة للمسؤولين بعدم التجاوب مع الدعوات التي توجه لهم من قبل منظمات المجتمع المدني، عندما يتعلق الأمر بقضايا وطنية وسياسية عليا، لكن تفتقر للإجماع أو التوافق حولها.

لا أعرف ماذا قال السيد المعشر في المؤتمر إلا من العبارات القليلة المنشورة في الصحف، كما لم أقرأ عن برنامج الإصلاح الاقتصادي – الاجتماعي الذي تقدمت به المعارضة العتيدة، إلا من ملخصات الصحف أيضاً، لكن هذا لا يمنعني من الافصاح عن سعادتي الاستثنائية "لحالة الحوار" التي استنتها الحكومة الحالية، بمعظم مكوناتها، وعلى رأسها رئيس الوزراء سمير الرفاعي ونائبه د. المعشر.

أقول ذلك من واقع تجربة طويلة، ولا أقول مريرة، استمرت زهاء نحو عشرين عاماً من محاولات الإسهام في إرساء تقاليد للحوار بين الحكومة والتيارات السياسية المختلفة وقوى المجتمع المدني حول السياسات العامة. ورغم اعتزازي بمحطات حوار ناجحة ومثمرة، فان غالبية المحاولات التي كنت طرفاً فيها، أو شاهداً عليها تحولت الى ما يشبه "حوار طرشان"، حيث يمتنع المسؤولون الحكوميون عن المشاركة في الحوارات، لا لشيء الا لغياب "ثقافة الحوار" و"سياسة الحوار" عن النهج الرسمي. وينطبق ذلك ليس فقط على الصف الأول من المسؤولين وانما أيضاً على الصف الثاني وربما الثالث منهم. كيف لا، ولا شيء يلزمهم بالجلوس في ندوة للدفاع عن سياسة حكومية أو للرد على استفسارات وأسئلة وانتقادات قد توجه للسياسات الرسمية في هذا المحفل أو ذاك.

أخمن أن السيد المعشر لم يمض زهاء ساعتين في المؤتمر الاقتصادي لأحزاب المعارضة، بحثاً عن حلول عملية أو خارقة للعادة، لما يعانيه الأردن من استعصاءات مالية واقتصادية، وأجزم أنه يحفظ عن ظهر قلب شعارات المعارضة وأطروحاتها وحلولها الاقتصادية. وأغلب الظن أنه كان مجاملاً لها حين خاطب المؤتمر بقوله: " نحن نؤمن بالأيديولوجية التي تنطلق منها أحزاب المعارضة في رفضها فكرة الخصخصة ولكن.." الخ.

إن أهمية إصغاء المسؤولين الحكوميين وخاصة الوزير المعشر للمعارضة واظهار الاحترام لأطروحاتها الاقتصادية – الاجتماعية ناجمة عن إدراكه الحاجة الموضوعية للوصول الى حلول متفاهم عليها وطنياً من أجل عبور الأزمة الراهنة، خاصة وأن السياسات الاقتصادية والمالية للحكومات المتعاقبة تتحمل المسؤولية الكبرى عن تفاقم الاختلالات التي أصابت الاقتصاد الأردني مؤخراً، والتي تؤكد أن النخب الحاكمة لم تتعلم من دروس أزمة 1989، ولم تصغ للأصوات المحذرة من تعاظم الاتجاهات السلبية، وتحديداً على صعيد العجوز في الميزانية العامة للدولة والحساب الجاري لميزان المدفوعات وارتفاع المديونية العامة (المحلية والخارجية) بالأرقام المطلقة والنسبية.

ليس من الضروري الاتفاق مع أحزاب المعارضة على برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، خاصة عندما يكون العديد من بنوده كناية عن شعارات وأطروحات مضى عليها الزمن، أو عندما تكون مجرد شعارات جذابة لكنها غير قابلة للتطبيق. غير أن العديد أيضاً من شعارات وأطروحات المعارضة ما تزال تشكل جزءاً من الفكر الاقتصادي الوطني، ولم تفقد أهميتها مع الزمن، وعليه فإن من حق أحزاب المعارضة وغيرها من القوى السياسية أن تأخذ دورها في المساهمة في صنع القرار الاقتصادي على اعتبار أنها تعكس مصالح طبقات وفئات اجتماعية وسطى ودنيا. فلماذا نتسامح مع الحلول والطروح الاقتصادية المقامرة التي أسهمت في زعزعة الاقتصاد الوطني ووضعته على حافة الهاوية، ولا نصغي لحلول المعارضة. فما من حلول سحرية لمشكلاتنا الاقتصادية، لكن الحلول الإنقاذية الواقعية ممكنة وقابلة للتحقيق عن طريق الحوار ومراعاة مصالح مختلف مكونات المجتمع.

من حوار الحكومة مع المعارضة قبل يومين الى بلوغ عتبة "الاقتصاد السياسي للسلام والرفاه الاجتماعي" ثمة مسار طويل، يتطلب قدراً من الصبر وطول النفس، وكثيراً من الابداع من أجل توليد فلسفة اقتصادية تتناسب مع الحالة الأردنية، تاريخاً وواقعاً معاصراً. وكنا اقترحنا فلسفة اقتصادية تقوم على مفهوم "الدولة المشاركة"، التي تحترم قواعد اقتصاد السوق وتضبطه في الوقت نفسه. ولا بأس من أن ندير حواراً وطنياً لتحويل هذا المفهوم الى برنامج ملموس وقابل للتطبيق.

التعليق