لقاء بايدن: أبعد من مجرد الغضب

تم نشره في الأحد 21 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

 

رغم أن لقاء نائب الرئيس الأميركي جون بايدن مع نفر قليل من الأشخاص ممن يقودون مراكز أو منظمات مدنية، لم يكن اللقاء الأول من نوعه ومن المرجح أن لا يكون الأخير، إلا أنه تفوق على غيره من اللقاءات باحتوائه على جرعة غير عادية من الاستفزاز لأوساط اجتماعية وسياسية وإعلامية متنوعة، قد يكون أعلاها صخباً المواقع الألكترونية ومحترفي البحث عن المؤامرات والمترزقين من إثارة قلق الأردنيين على بلدهم، وهو قلق مشروع ومبرر، لكنه يوظف لخدمة أجندات سياسية معروفة، تقوم على التحشيد الاقليمي والشحن الشوفيني من خلال تصوير الأردن كما لو كان هدفاً سهلاً لمشاريع "التوطين" و"الوطن البديل".

جرعة الاستفزاز الكامنة في اللقاء جاءت محصلة مزيج متفجر من العناصر أبرزها السذاجة السياسية، المتمثلة في اختيار المدعوين الى اللقاء مع نائب الرئيس الأميركي. فلو أن المدعوين له كانوا يمثلون ألواناً من الطيف السياسي الأردني لغايات الحوار معهم والاستماع الى آرائهم لما كان ثمة غضاضة في الأمر، فقد حدث هذا من قبل ولا شيء يمنع حدوثه راهناً أو مستقبلاً. أما أن يكون مع بعض ممثلي منظمات المجتمع المدني، ممن يشك في حصافتهم السياسية أو قدرتهم على تمثل (وتمثيل) مواقف المجتمع المدني، فكانت النتيجة اطلاق "عش الدبابير" ضد المجتمع المدني الأردني برمته، وإعطاء قوى الشد العكسي والأقلام الديماغوجية فرصة ذهبية للاصطياد في الماء العكر، وتسميم أجواء البلاد بالمزيد من الحقن الاقليمي والشوفيني، وكأننا بحاجة لزيادة ما لدينا من مناخات عكرة ومحبطة.

تقليدياً اعتادت الإدارة الأميركية ممارسة سياسة حذرة تجاه الحكومة الأردنية، وامتنعت خلال العقدين الأخيرين عن اتخاذ مواقف نقدية معلنة، حتى لو كانت خجولة، تجاه مظاهر الاخفاق العديدة في مجالات الاصلاح السياسي. بل انها، ممثلة بالسفير الأميركي السابق في عمان، تبرعت بإعطاء شهادات حسن سلوك للحكومة الأردنية، أثناء الانتخابات البلدية وبعدها النيابية، عام 2007، رغم علمها بحجم التزوير والخروقات التي ارتكبت خلالهما، حيث شارك في مراقبة الانتخابات النيابية وفد كبير من ممثلي المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي (NDI)، كما قام مكتب المعهد الجمهوري الأميركي (IRI) باستطلاعات فورية لآراء الناخبين على أبواب مراكز الانتخاب.

ومثلما شكلت شهادات النزاهة تلك الممنوحة للانتخابات الأردنية سقطة سياسية ودبلوماسية للولايات المتحدة، فإن اختيار ثلاثة أو أربعة أشخاص من ممثلي منظمات مدنية أردنية للالتقاء بنائب الرئيس الأميركي والحديث معه في قضايا الانتخابات والاصلاح كان خطأ سياسياً مماثلاً، ولا أدل على ذلك من التسريب الفوري لعناوين الحوار وأسماء المشاركين، ما يكشف عن وجود خلل جوهري في أسلوب تعامل ممثلي الولايات المتحدة مع الأردن شعباً وحكومة ومجتمعا مدنيا.

وبطبيعة الحال فقد أضاف الى مركب الجرعة الاستفزازية للقاء بايدن أنه يتم مباشرة بعد اللطمة السياسية التي وجهتها حكومة نتنياهو المتطرفة لنائب الرئيس الأميركي وللسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بالاعلان عن بناء 1200 وحدة استيطانية في القدس أثناء زيارته لاسرائيل، وتصاعد الغضب الأردني (والعربي والفلسطيني) من هذه الخطوة الاستفزازية ومن "قلة الحيلة" الأميركية تجاه لطمة الحليف الاسرائيلي.

بيد أن الأهم من هذا كله أن اللقاء يقع على خلفية تنامي مشاعر عدم الثقة لدى أوساط اجتماعية وسياسية واعلامية متزايدة تجاه فئات من منظمات المجتمع المدني، جراء اتساع رقعة الارتزاق والانتفاع من المشاريع التي تقام بدعم مالي أجنبي، ومن الاعتقاد المتزايد بمحدودية المردود الحقيقي على المجتمع الأردني من نشاطات وبرامج المنظمات والشركات غير الربحية.

وهكذا فقد جاء لقاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن مع عدد من ممثلي منظمات المجتمع المدني ليؤجج مشاعر الغضب والضيق للرعاية والحظوة التي لقيها هؤلاء، وليفتح الباب أمام الرافضين للتمويل الأجنبي لتجديد حملاتهم واتهاماتهم بالجملة: تهم بالخيانة والعمالة والتجسس و"الاستقواء على الدولة بالأجنبي"!

قد تهدأ حملة الغضب التي أثارها لقاء بايدن، لكن أسباب الغضب لن تهدأ، وهو ما يدعونا لمطالبة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول المانحة الأخرى بمراجعة سياساتها الخاصة بدعم الديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدني في الأردن والعالم العربي. فقد بات من المؤكد أن الحصيلة الفعلية لهذه السياسات والبرامج كانت عكس الأهداف المعلنة منها. فلا هي شجعت الحكومات الأردنية والعربية على المضي بالاصلاحات السياسية بجدية، ولا هي مكنت المجتمعات المدنية، أو أعطتها فرصة حقيقية للاعتماد على النفس أو تنمية مواردها الذاتية أو تحقيق استدامتها. وفي حالات كثيرة شجع الدعم الأميركي الأوروبي على التنافس على الارتزاق والإثراء وأشاع مناخاً مريضاً من التزاحم على الموارد. فبعد أن كان التمويل الخارجي حلاً اضطرارياً ومؤقتاً في غياب التمويل المحلي والعربي، وبعد أن كان وسيلة لتنفيذ مشاريع ونشاطات مهمة للمجتمعات العربية أصبح هدفاً بذاته ولذاته، وخاصة عندما تتقرر أجندة المجتمعات المدنية من جانب الممولين وتخضع قرارات التمويل لرؤى وأهواء هؤلاء في واشنطن العاصمة أو بروكسيل أو سواهما من العواصم.

من المؤسف أن ادارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لم تراجع حتى الآن مبادرات وسياسات دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتي وضعت في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، والتي كانت تعكس رؤية وفلسفة المحافظين الجدد الاستشراقية والتدخلية. ولقد آن الأوان، بعد مرور أكثر من عام على وصول الادارة الديمقراطية الى البيت الأبيض، لأن تعيد النظر في السياسات التي باتت سبباً اضافياً لتنامي النفور وخيبة الأمل، في الأردن والمنطقة، من السياسات الأميركية.

وعلى دافعي الضرائب الأميركيين، أن يطالبوا الكونغرس بمراجعة أداء المؤسسات الأميركية المكرسة لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، وما اذا كانت الثمار الفعلية (كما نراها على الأرض) تبرر الانفاق على "صناعة" بيروقراطية متضخمة اسمها المعلن "دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير"، ولكن مخرجاتها الفعلية هي تكريس أنظمة الأمر الواقع وتحويل المجتمعات المدنية العربية إلى حقول تجارب للقائمين على تمويل المشاريع.

التعليق