علاء الدين أبو زينة

عناوين..!

تم نشره في الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 

"صارلي شي ميّة سنِه عمْ ألِّفْ عَناوين.. مِشْ معروفِه لَمينْ، وودّيلُن أخبار". (أغنية فيروزية)..

"عنوان" هذه الصفحات، "أفكار ومواقف"، هو عنوان ذكي وضعه الزملاء الذين بوّبوا هذه الصحيفة وعَنونوا صفحاتها أول الأمر. وربما قصدوا من عنوان الصفحة أن يكون مختلفاً عن عنوان "رأي" أو "آراء" (Opinion) المطروق كثيراً في الصحف الأجنبية ليروّس مثل هذه الصفحات، من دون أن يقصدوا الانزياح عن الجوهر. إن تلك الصحف لا تقصد أن يعبر كاتب "الرأي" عن نفسه لمجرد البوح، وإنما تريد منه أن يضيء الرأي ويصنعه، وأن يؤثر فعلاً في صناعة السياسات والاستراتيجيات.. ولم يغب مثل هذا الفهم عن بال الذين عنونوا هذه الصفحة، ولا هو يغيب عن بال من يكتبون فيها.. وعلى تنوع الأساليب والمفردات، وطريقة صياغة الرسالة، فإن الجميع يتطلعون دائماً إلى التقاط "أفكار" مهمة، وصناعة "مواقف" قوية، آملين ترجمتها فعلياً إلى سياسات أو توجهات عامة.. وبغير ذلك، تصبح الكتابة بلا معنى.

"العنوان" أيضاً، هو المكان الذي يرسل إليه الكاتب فكرته وموقفه، ويَقصد أن يزود شاغليه بالأخبار -لا لمجرد توصيل الأخبار والأفكار، وإنما بأمل أن يستلم المعنيّ الرسالة فيجيب عنها ولا يلقي بها في سلة المهملات.. قد يكون المُرسل إليه مسؤولاً، وقد يكون مؤسسة، وقد يكونون مواطنينا جميعاً ممن يقرؤون، فيفكّرون ويتفاعلون، وتصحو في أذهانهم فكرة أو يعاودون استنطاق فكرة قديمة فيغيروها. وقد تكون الرسالة تقريرية، أو استفهامية تريد استفزاز المخيلة وتوليد الاستجابات.. والهدف دائماً هو إلقاء حجر في المياه الراكدة لتنداح من حولها الدوائر وتتوالى وتتسع بلا توقف.

"العنوان" الأهم والأخطر، هو الذي يفكر فيه الكاتب ويضعه على رأس صفحته ثم يشرع في بسط فكرته، أو موقفه.. وأسرّ لكم أنني كنت قد بدأت بعنوان آخر وضعته أولاً على رأس صفحتي. وعندما شرعت في الكتابة، سمعت أزيزاً هائلاً ورأيت، بعين خيالي، ثوران "عش دبابير" حقيقي، وشعرت بألم اللسعات وبالتورم في الوجه والأطراف. وفكرت في "عنوان" المرسل إليه، فتصورت أنه سيلقي بالرسالة مُغضباً في سلة المهملات في أحسن الأحوال، أو أنه سيطلق عليّ سرب دبابير.. وخطرت لي الأغنية الفيروزية أعلاه، وخيبة الكاتب وهو يبحث عن "العناوين"، ويرسل الأخبار، و"ما في حدا"، أو يترقب ساعي البريد، و"ينتظر الآتي ولا يأتي". أو يفتح "الجواب" فيثور في وجهه عش الدبابير.. وباختصار: جبنت! وفكرتُ بأن عليّ أن أتدرع أولاً ببذلة ثقيلة وسميكة تشبه درع مربّي النحل أو رائد الفضاء.. وهي أردية أكثر أمناً، لكنها تثقل الحركة.

أعرف أن بعضاً من الكتّاب لدينا استطاعوا أن يقطفوا شيئاً من عسل التغيير والتأثير، ورأوا أفكارهم وهي تتحول إلى مواقف وأفعال، ولا بد أنهم استلهموا قولة "المتنبي": "ولا بدّ دون الشهد من إبر النّحلِ".. (أذكركم: كان المتنبي هو "الشاعر الذي قتله شعره")، لكنني أعود إلى كتّاب "الرأي" في الصحف الغربية، وأزورهم صفحتهم في "النيويورك تايمز" التي وصلت إلى "عنوان" مكتبي، فأسمع فيها أزيز دبابير، لكنني لا ألمح فيها ارتجافاً، وإنما هجوم على "العنوان"، سواء كان عنوان الموضوع أو عنوان المرسل إليه. ليس هناك "عنوان" مخيف محرم، ولا "عنوان" معتم يخاف الكاتب أن يطرقه فيجد مختبئاً فيه عش دبابير. وأتأمل انسياب الكلام وتجوالات الكُتّاب الحرّة، فلا أجد فيها تثاقل المتدرّع ببذلة قاطف النحل، أو متوسل الهواء والجاذبية في بذلة رائد الفضاء. إن الكاتب هناك يستطيع أن يصل إلى "قفير العسل"، ويقطفه ويوزعه على الناس، وهو الذي يستطيع أن يدخل عش الدبابير خفيفاً، متدرعاً فقط بقوة الفكرة، والأحقية في امتلاك الموقف..

الفكرة: ما نزال في حاجة إلى الاجتراء على الكتابة تحت "عناوين" أكثر حسماً وأهمية من دون خوف، وإرسالها إلى "عناوين" لا نخاف جواب شاغليها. والموقف: نصطف إلى جانب المزيد من حرية الكاتب، وإزالة كل الحواجز من أمام ساعي البريد.

التعليق