انتخابات تحت الاحتلال.. أين المشكلة؟

تم نشره في الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 

يتخذ الكثيرون موقفاً مبدئياً صارماً ضد الانتخابات العراقية، باعتبارها واحدة من جملة مخرجات فاسدة أنتجتها عملية سياسية مدارة من جانب احتلال عسكري غاشم، اجتاح العراق وفكك الدولة ثم أعاد تركيبها على أسس عرقية وطائفية، وقارف بحق العراقيين جرائم وحشية لن تسقط من الذاكرة العراقية والعربية إلى أجل طويل.

ومثل هذا الموقف المبدئي صحيح بوجه عام، لكنه يحتمل النقاش أحياناً، ويستحق المراجعة إذا اقتضت الضرورات الموضوعية إجراء مثل هذه الانتخابات، وأتت قواعدها متوافقة مع المعايير الدولية، وشاركت فيها أغلبية سكانية حاسمة، وشكلت نتائجها خطوة مهمة إلى الأمام على طريق إنهاء الاحتلال، وأفضت إلى تداول سلمي للسلطة عوضاً عن الاحتراب الأهلي.

وعليه، فإنه لا يمكن مصادرة الرأي الآخر في مطلق الأحوال، بمجرد القول إنها انتخابات تجرى في ظل حراب الاحتلال، لا سيما إذا جاء الاعتراض من جانب قوى وشخصيات ذات عقائد استبدادية مناهضة للديمقراطية والتعددية السياسية، لا تؤمن بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بل تعتبر الديمقراطية مجرد بضاعة غربية فاسدة تتعارض مع تراثنا التاريخي وقيمنا الدينية.

ليست الانتخابات البرلمانية العراقية قبل يومين هي الأولى من نوعها في العراق، ولا هي أيضاً الأولى من نوعها في هذه المنطقة التي تخضع بعض شعوبها لاحتلالات أجنبية مباشرة، مع ملاحظة تدعو إلى الأسى، وهي أن هذه الانتخابات التي جرت في العراق وفلسطين وأفغانستان، خلال نحو عقد مضى، هي أكثر الانتخابات صدقية ونزاهة وشفافية بالقياس إلى مجمل الانتخابات العامة التي تجري في هذه المنطقة المسكونة بالقمع والإرهاب والثيوقراطية.

وتعيدنا هذه المفارقة الفارقة إلى حقيقة أن الاحتلال بأشكاله الاستعمارية والكولونيالية القديمة، هو الذي وضع في بلادنا أول الدساتير، وأجرى فيها أولى الانتخابات، وأنشأ فيها الإدارات الحكومية والمرافق التعليمية والصحية، وبنى أسس الدولة، وأقام أجهزة الأمن والجيش والجمارك، وغير ذلك من تحديثات نقلت شعوبنا من ظلال العصور الوسطى إلى عهد الدولة الوطنية القائمة.

وليس في هذا دفاع عن الاحتلال الأجنبي الكريه، ولا تسويغ لكل ما ارتكبه من جرائم لا حصر لها بحق شعوبنا. غير أنه فيما يتعلق بمسألة الانتخابات والديمقراطية وبناء الدولة الحديثة، فإنه لا يمكن إنكار بعض فضل الغرب الاستعماري على بلادنا، بدليل أن الدول القليلة التي لم تُبتل بالاحتلال ما تزال إلى اليوم تقف على أول درجات سلم التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإنني أستعيد من الذاكرة واقعة إنشاء أولى الجامعات في الضفة الغربية مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، وواقعة إجراء أول انتخابات بلدية فيها أواسط ذلك العقد، وكيف وقفت مختلف القوى الفلسطينية ضد هاتين الواقعتين من منطلق "لا جامعات ولا انتخابات تحت حراب الاحتلال" لتكشف النتائج اللاحقة حقيقة أن تلك الجامعات كانت أحد أهم مصانع الوطنية، وأن تلك الانتخابات قد أفرزت جيلاً جديداً من القادة الوطنيين الشباب.

واليوم، ونحن نرى بأم العين مشهداً انتخابياً عراقياً نادر الحدوث في العالم العربي، على الأقل لجهة التنافسية الحقة، والرقابة المحلية والدولية، والقواعد المعمول بها لدى أعرق الديمقراطيات الغربية، فإننا نستذكر كذلك مشهداً انتخابياً آخر جرى في فلسطين قبل أكثر من أربع سنوات، تحت حراب الاحتلال أيضاً، وانجلى هو الآخر عن نتائج لا مراء في شرعيتها ومصداقيتها، بدليل انخراط الجميع فيها آنذاك والتمسك بها إلى اليوم.

ومع التسليم بصحة العديد من الملاحظات والتحفظات، وبمشروعية المخاوف التي رافقت الانتخابات العراقية، وكل انتخابات أخرى تجرى تحت الاحتلال، فإن من غير الصحيح بالمقابل التسليم تماماً بمقولة "لا شرعية لانتخابات تحت حراب المحتلين" لا سيما بعد أن صادقت التجربة العيانية الملموسة على صدقية نحو ثلاثة انتخابات عامة جرت في هذه المنطقة، كانت نتائجها أكثر موثوقية من سائر الانتخابات الأخرى المماثلة في البلاد العربية والإسلامية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »humanity (mohammad)

    الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010.
    أين المشكلة ؟ أعتقد أنه سؤال وجيه ... إبتداء الإنسان بصيغته المفردة ،
    أو بصيغته الجمعية المتوافقة بالضرورة على بقعة ما من هذه الأرض هو
    خلق إلهي ، وهذا يجب أن يتسق بالقطع مع الصفات الإنسانية الخلْقية
    التكريمية من رب العالمين جلّ وعلا وتقدّس ... نقطة أخرى أحب أن
    أشير إليها ، وهو أن الإنسان ، وبإرادة مشيئة الله ، يستفيق على نفسه
    واقعا ملموساً ، وليس له دخل في صياغة هذا الواقع ، هنا يبرز فضل
    الله على الإنسان وتكريمه وتفضيله إن بصيغة الفرد أو بصيغة الجمع
    المتناسق ، نقول يبرز فضل الله على الإنسان بالتّعْقيل ليكمل مسيرته
    الحياتيّة والمرسومة له بعلم وحفظ خالقه المؤمن له بتعقيله أي إعطائه
    العقل الإدراكي التّمييزي التوجيهي للأحسن بالضرورة ... من هذا الفهم
    الإنساني للواقع القطعي المفروض مكاناً وزماناً وحالاً يبتدئ شق طريقه
    ، بالفرد وبالجمع المتناسق ، نحو التقدّم والسعادة والإزدهار ، أو نحو
    الشقاء والمعصية والتي تؤدّي إلى التّخلّف بالضررورة . / محمد عمد
  • »للمره الثانيه (امجد ابوعوض)

    الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010.
    هذه هي المره الثانيه التي اتفق بها معك بالكامل ,