عيسى الشعيبي

صور أخرى من الإساءة لمفهوم الجهاد!

تم نشره في الأحد 7 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

 

لو أن الموقف يحتمل شيئاً من الهزل، لكنّا ترحّمنا سلفاً على دولة الكانتونات الأوروبية الصغيرة الساكنة بأمن وسلام وثراء وسط القارة العجوز، بعد أن قارفت فعلة حمقاء مجردة من كل المجاملات والكياسات وغض البصر، فأغضبت من إذا غضب، غضب له ألف ألف فارس، وذلك عندما أنفذت بسذاجة يخالطها حسن النية قانوناً اعتقدت أنه فوق الجميع، يسري على الكافة من دون تمييز، من دون أن تدري عقابيل هذه الفعلة التي فتحت عليها أبواب الجهاد والنفير العام.

غير أن الأمر جد الجد، ولا سابق له مع الدولة الوحيدة في العالم، التي ظلت تلتزم بحياد صارم، رغم تطاحن الأمم الأوروبية من حولها في حربين عالميتين مديدتين، ما أهلها لاستضافة مقرات عدد وافر من المنظمات الدولية، بدءاً بالصليب الأحمر، وانتهاء بالمقر الأوروبي للأمم المتحدة، مروراً بمنظمات ولجان دولية أخرى مثل اللجنة الأولمبية ومنظمة الصحة العالمية وبنك التسويات الدولي، ناهيك عن عصبة الأمم المتحدة سابقاً، وغيرها من الاتحادات التي جعلت من سويسرا بحق رمز الحياد والأمان والسلام من دون منازع.

إلا أن بلد الساعات الدقيقة والسرية المصرفية والأجبان اللذيذة الشهيرة بفجواتها الداخلية، وجد نفسه على حين غرة في وضع لم يخطر على بال أحد من أربابه، كأول بلد في العصور الحديثة يُعلن عليه الجهاد، ليس بتجريد الجيوش الجرارة لحسن خطه، ودق أبواب 22 منظمة دولية ونحو 200 منظمة غير حكومية تستضيفها جنيف وبرن وزيورخ، وإنما بمقاطعة بضائعه ومصارفه وسفنه وطائراته، وربما عقاقيره الطبية، تحت ذريعة مغشوشة لا تُصدق، ألا وهي منع إقامة المآذن في بلاد جبال الألب.

وليس من شك أن إعلان الجهاد على خلفية مسألة شخصية جرى إلباسها غلالة دينية شفافة تشي بالحقيقة الناصعة، إعلان لا يسيء إلى دعاته فحسب، وإنما يسيء على نحو أشد إلى فكرة الجهاد ذاتها، الملتبسة في الأذهان الغربية، باعتبارها مرادفاً لمفهوم ما يسمى بالإرهاب الإسلامي المثير للمخاوف الأوروبية والاستعداءات الأميركية، والإشكاليات الأمنية لكل ذي سحنة شرق أوسطية يحط في مطار أو يدخل فندقاً أو يمر عبر نقطة حدودية.

ومع الإدراك سلفاً أن إعلان الجهاد ضد سويسرا قد وقع على أذن صماء في عموم العالم العربي والإسلامي المبتلى بالفقر والتخلف والزعماء المخلدين، وأن هذه الدعوة المرتجلة ذهبت أدراج أول هبة ريح ناعمة، إلا أن الضرر الذي خلفته وراءها لن يمّحي في وقت قصير، باعتبارها مثالاً صارخاً، لا يعوزه الدليل، على أن بعض أصحاب رسالة الجهاد هم أكثر من يلحقون الأذى بدعوتهم وبأنفسهم وبصورتهم، الجاري تشويهها على أيدي دعاة متزاحمين على باب جهنم.

وقد تكون أكثر الأسئلة إلحاحاً على بال من كتم بين شفتيه ابتسامة خفيفة، بعد أن تناهت إلى مسامعه دعوة الجهاد ضد سويسرا، السؤال المتعلق بمن هو أولى بإعلان الجهاد ضده، والحرم الإبراهيمي يهوّد، والمسجد الأقصى يُأسرل، وبلاد العرب والمسلمين تستباح. هل هي سويسرا التي أنفذت قانونها ضد رعونة ولد طائش، أم إسرائيل التي تدنس المقدسات، وتقتل مسلمين ومسلمات، وتبطش وتهدم وتروع؟ ثم هل الملايين من العرب والمسلمين هم مجرد قطيع يهش عليه بالعصا كل راعٍ وكل مدعٍ بالمسؤولية؟

ولن ينقضي سوى وقت قصير حتى نكتشف مدى الضرر الذي ألحقه إعلان الجهاد ضد سويسرا بهذه الكيفية التي أثارت التهكم وجلبت مزيداً من التحسبات الأمنية إزاء كل عربي ومسلم. فوق أن توقيت هذا الإعلان جاء في أسوأ التوقيتات الممكنة، أي عشية انعقاد قمة عربية من المقرر أن يستضيفها صاحب الإعلان في أواخر الشهر الحالي، الأمر الذي قد ينجلي عن اتساع نطاق الغياب أو خفض مستوى التمثيل أو غير ذلك من المفاجآت غير السارة، المتوقع لها أن تصاحب انعقاد هذه القمة المثقلة أساساً بما يكفي، ويفيض عن حاجتها، من المصاعب التي تواكب كل قمة مماثلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لكن هل هو منهم أصلا؟! (ابن البلد)

    الأحد 7 آذار / مارس 2010.
    "إلا أن الضرر الذي خلفته وراءها لن يمّحي في وقت قصير، باعتبارها مثالاً صارخاً، لا يعوزه الدليل، على أن بعض أصحاب رسالة الجهاد هم أكثر من يلحقون الأذى بدعوتهم وبأنفسهم وبصورتهم، الجاري تشويهها على أيدي دعاة متزاحمين على باب جهنم."
    هل صاحب الدعوة التي ذكرتها من "أصحاب رسالة الجهاد " ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    مرة اخرى اي سبب للهجوم على الاسلاميين "أصحاب رسالة الجهاد " الحقيقيين.
  • »الهروب للشعر احلى واجمل (عماد)

    الأحد 7 آذار / مارس 2010.
    صباح الخير /

    اظن درويش قصد هؤلاء عندما قال :

    في كل مئذنة حاو ومغتصب
    يدعو لاندلس ان حوصرت حلب

    ويذكرني بقصيدة في الحانة القديمة لمظفر النواب وما بها من صورة كاريتورية لصاحب الاعلان الجهادي الرهيب لا مجال لذكرها بالكامل هنافهي قد تخدش الحياء : يناقش كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته سأ ٍسا سا

    هل العيب بصاحب الاعلان ام بنا نحن الرعاع الذين لا نستطيع ان نرتفع الى مستوى تلك العبقرية الفجة عفوا قصدى الفذة ؟؟!!!!!!
  • »متفق معك بالكامل (امجد ابوعوض)

    الأحد 7 آذار / مارس 2010.
    هذه هي المره الاولى التي اتفق بها معك تماما , هذا المقال كسر العاده ,