د.باسم الطويسي

الأيدي المرتجفة لا تبني الأوطان

تم نشره في الخميس 4 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 من بين كل تقارير المنظمات والهيئات الدولية التي توالت منذ مطلع العام وتلقينا منها صفعات متعددة بعضها ظالمة ولا تستحق التعليق، يحتاج تقرير منظمة النزاهة الدولية وقفة طويلة وهادئة في مراجعة جهود مكافحة الفساد بعيداً عن ردود الأفعال الآنية والأحكام الجاهزة.

لا نحتاج إلى تقارير دولية ولا أممية حتى نثبت لأنفسنا أن جهود مكافحة الفساد والهيئات التي أُنشئت لهذه الغاية تدور في حلقة مفرغة منذ سنوات، وأنها فشلت في اختبار النزاهة الوطنية في أكثر من ملف، بينما لا تسهم الظروف السائدة في المجال العام والممارسات اليومية بما يخدم مكافحة الفساد، وأهمها التقدم في مسار المهنية والحريات الإعلامية وحق المواطنين ووسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومات الحكومية.

على قدر ما نملك من إنشاء سياسي رسمي حول أولوية مكافحة الفساد، إلا أن القضية التي لا تملك الدولة ولا المجتمع الوقت أو الحق في المناورة حولها ما تزال أقل من أن تتحول في الوعي العام إلى مصلحة وطنية عليا.

ثمة مناورة واسعة وغموض لا يحتمل في هذا الملف حتى خلصنا إلى نتيجة مفادها أننا ندير ملف الفساد ولا نسعى إلى التقدم نحو الحلول الحقيقية التي تدشن مسار النزاهة الوطنية وأهمها مؤسسات متخصصة قوية، وقضاء نزيه ومحترف وفاعل، وبيئة متنبهة تحميها حريات مسؤولة وقوانين مصانة.

يشير تقرير منظمة النزاهة الدولية إلى أن إصلاح إطار مكافحة الفساد في الأردن قد أوجد هيئات مراقبة خائفة من دون نتائج أو تحولات واضحة، حيث حصل الأردن على تقدير ضعيف جداً تمثل في الإطار القانوني الذي حقق (64 %) وفي مجال التنفيذ الفعلي (44%) فيما تتمثل الفجوة في التنفيذ بنحو (22%).

توجد أربع مؤسسات تعنى بشكل مباشر بمكافحة الفساد والوقاية منه وشبكة واسعة من أجهزة الرقابة الذاتية في مختلف المؤسسات، ويوجد لدينا منظومة قانونية متقدمة في الرقابة والوقاية والمكافحة والشفافية، لكن ما قيمة أكثر القوانين تقدما وعصرية إذ لم تجد إرادة سياسية لتفعيلها وكفاءة حازمة في تنفيذها، الأمر الذي لم يوطن تقاليد في الشجاعة في استخدام القوانين في مكافحة أشكال الفساد الإداري والمالي في القطاع العام والقطاع الخاص معا، وفي العلاقة بينهما وفي علاقة القطاع العام مع المجتمع وفي سلوك كبار موظفي الدولة في إدارة الموارد وفي العلاقة مع المجتمع، وفيما تغيب هذه المؤسسات عن متابعة عشرات الملفات الكبيرة كل عام تنشغل تلك المؤسسات في تفاصيل صغيرة لصغار الموظفين، ولا تتجرأ ان تقترب من الملفات الكبيرة للصغار والكبار معا.

تقرير منظمة النزاهة الدولية يدعو الى تفكير وطني بآليات محلية لمراجعة دورية لجهود مكافحة الفساد وأدوار هذه المؤسسات وكفاءتها عمليا وتقييم حالة الفساد في الأردن. وهذه مناسبة لدعوة إحدى الجامعات الأردنية للتعاون مع مؤسسات مدنية أردنية مستقلة ولها تاريخ من الصدق أيضا، لإطلاق مرصد وطني لرصد وتقييم جهود مكافحة الفساد وإصدار تقرير سنوي في هذا الشأن.

حان الوقت لتكوين مرجعية علمية قادرة على التوثيق ويسهل الوصول الى المعلومات من خلالها، وقادرة على تطوير مقاييس لمراجعة أداء المؤسسات المعنية بهذا الشأن الحساس والغامض. وهذا الأمر لا يتوقف فقط على مؤسسات مكافحة الفساد المباشرة بل يمكن ان ينال رصد ومراجعة مؤسسات الرقابة الأخرى وفي مقدمتها أداء وسائل الإعلام.

لا نريد ان توصف بلادنا بأنها تدشن مؤسسات للخوف، ولا تحتمل بلادنا المزيد من فوضى المعلومات والمناطق الرمادية التي يستتر خلفها الفساد وتولد المؤسسات الخائفة. فالأيدي المرتجفة لا تبني الأوطان.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العدالة (امل العبادي)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    اعتقد ان مفهوم العدالة الذي جاء فيه الاسلام قد اختصر الكثير ولكن ما نراه اليوم يجعلنا نعلم تمام العلم ان لا عدالة في مجتمعاتنا حول الفاسدين ولو فيه عدالة لتحاسب الكبير قبل الصغير وهذا ما نطمح له
    واشكر كاتبنا الرائع على هذه المقالة التي اختصرت الكثير من الكلام
  • »اسلوب مكافحة الفساد (عبدالرزاق المحتسب)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    اعتقد ان موضوع مكافحة الفساد لا يمكن ان يبنى بواسطة جهات لها طابع الرسمية وذلك لاسباب عديدة اهمها ان صناع السياسه الاردنية ومنذ عقود لم يحصل عليهم اي تغيير يذكر اللهم انهم يتنقلون من منصب الى منصب وهذا بطبيعة الحال سيؤدي الى اعاقة عمليات مكافحة الفساد لكبار الموظفيين والمسؤلين .. وحتى تخرج الهيئات المشكلة من مأزقها تحاول وضع قدراتها وطاقاتها في مكافحة صغار الموظفيين في ضربه اعلاميه حتى يشعر المواطن بجدواها ومفعوليتها.

    برأيي ان الصحافة الاستقصائية الحره وغير المقيدة تستطيع ان تغنينا عن مؤسسات كاملة لمكافحة الفساد, ثم ان قانون حق الحصول على المعلومات ولغاية هذه اللحظة عبارة عن حبر على ورق فكيف يمكننا مكافحة الفساد ولا نستطيع الحصول على اي معلومه عن عمل المؤسسات والوزارات

    علينا اعادة النظر في الاستراتيجية الاردنية لمكافحة الفساد فالمطلوب ليس فقط انشاء مؤسسات تعنى بمكافحة الفساد وانما انشاء مؤسسات تستطيع فعلا مكافحة الفساد
  • »تقاليد في الشجاعة (طارق بلال)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    الاجراءات التي اتخذتها الحكومة بالامس في موضوع المصفاة تؤكد نية الحكومة الحالية التخلص من قيود الخوف والرعب الذي سكن العديد من المؤسسات على مدى عقود طويلة
    ان ماذهب اليه الكاتب مهم جدا في اننا بحاجة الى ترسيخ تقاليد وطنية في حماية الشجاعة وتقديرها في مكافحة الفساد والوقوف في وجه المفسدين ، مقال رائع احسنت
  • »scientific islam and religions in general (mohammad)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    the last two paragraphs shows the just and right aim to building advanced nations , i agree with you absolutely / ma
  • »الأيادي ترتجف لأن النفوس ترتعش (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    الأيادي المرتجفة لا تبني الأوطان .والنفوس الخائفة لا تبني الرجل ولا النساء الأحرار ..الفساد في بلدنا مفتعل ومقصود موموجه ومدعوم من بعض مؤسسات الدولة لغاية هدم كيان هذا الوطن ..فاذا كانت الحريات معدودومة واذا كان الفاسدون والسارقون والمدجلون والنفعيون يسرون بيننا نافخي رؤوسهم وشامخي هممهم ولم يتقدم احدهم الى المحاكمة ..في حين لو قال احدنا لعنة الله على هذا الوضع يدخل السجن بتهمة الخيانةالعظمى ، ربما يعدم لأجلها ..عندما تتحرر النفوس حينها تبطل الأيدي ترتجف ..