الأردنيون ودارفور

تم نشره في الثلاثاء 2 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

ليس الجاري في إقليم دارفور في السودان من هموم الأردنيين الضاغطة، لينشغلَ استطلاعٌ باستكشاف آرائهم بشأنه. ومن دون ادّعاء بنباهة، يجزم كاتبُ هذه السطور بأنهم يكادون يُجمعون على أنّ مؤامرةً تتم هناك على السودان ونظامه، تحوكُها أصابعُ أميركية وإسرائيلية، لتفتيت ذلك البلد وإضعافه. ومن أسباب توطّن هذه القناعة أنّ أغلب النخب المثقفة والمسيّسة في الأردن تتبناها، وكذلك الأحزاب والتشكيلات الإسلامية والقومية وبعض اليسارية، كما أن الصحف المحلية لا تعبأ بالمسألة، بدليل أن كتّاب ثلاثٍ من يومياتها لم يجدوا في الأسبوعين الماضيين مدعاةً لتنوير قرائهم بشأن توقيع اتفاق سلام بين أهم حركات التمرد والحكومة السودانية، باستثناء الصديقين، حازم مبيضين الذي شكّك في "الرأي" بنجاح الاتفاق، وحلمي الأسمر الذي رأى في "الدستور" أنّ كل الذي يحدث في دارفور مؤامرة، وأن الحرب هناك مفتعلة، والقصة من بدايتها استهداف مباشر للسودان.

مع التسليم بأن المؤامرات من وقائع التاريخ، وأنّ التآمر الخارجي على السودان قائم، وأنّ توظيفا غربياً جرى، سياسيا وإعلاميا، لقضية دارفور لابتزاز النظام في الخرطوم وإرباكه. مع ذلك، مستهجنٌ، بل ومستنكرٌ، ترديدُ هذا كله من دون اكتراث بأنّ ضحايا سودانيين، (كلهم مسلمون بالمناسبة)، قضوا قتلاً وحرقاً وبأعداد كبيرة، جرّاء الصراع الأهلي المسلح، عدا عمّن هربوا من التمويت والنهب والحرق إلى مخيمات، يكابد معظمهم فيها أحوالاً شديدة الشناعة. وعبثاً يفتش قارئ بيانات ملتقيات الأحزاب والشخصيات العروبية والإسلامية العربية، وبمشاركات أردنية، عن التفات إليهم. ولا أورد هنا أعداداً، لعدم الاطمئنان إلى أرقام السلطات السودانية والمتمردين والأمم المتحدة ووسائل الإعلام الغربية، إلا أنّ المرجح مقتل نحو مائة ألف، ونزوح مليون ونصف مليون تتكفل بإطعامهم وتطبيبهم وكالات إغاثة أجنبية. وأول القول في هذا إن المسؤوليات عن هذه الفظاعات تقع على "الجميع"، أي على الحكومة والميليشيات التي تدعمها، وعلى العصابات والمسلحين في حركات التمرد. وتفاصيل ذلك طويلة وعلى شيء من التعقيد، وأكدت شهادتان لخبيرين أممين، عربييْن ومتعاطفيْن مع الخرطوم، استمعتُ إليهما، مسؤوليةَ كل أطراف التنازع هناك عن تلك الفظائع. وإلى هذا الأمر، يلزم الحذر الشديد من الاستسلام لفكرة المؤامرة، "الصهيو أميركية"، بتسميتها الذائعة، باعتبارها تفسيراً وحيداً لما يجري في الإقليم السوداني المنكوب، لأنّه يسوق إلى اطمئنان الأذهان إلى أن لا شيء غير المؤامرات وراء مستجداتٍ هنا وهناك. وبذلك، تُعفي الحكومة السودانية نفسَها من مسؤولياتٍ تقع عليها، وتطنبُ في الكلام عن طمع خارجي بثروات بلادها. وقبل ذلك وبعده، لا تنتعش المؤامرات في غير البيئات الهشّة، والتي تتوفر فيها أسباب نجاح أغراض اللاعبين والعابثين فيها.    

ولمّا كان الصراع في دارفور في جوهره وبداياته قبلياً، مع وجود 12 مليون بندقية بين أيدي 100 قبيلة عربية وإفريقية هناك، يزيد أفرادها على 5 مليون نسمة، ولمّا كان التنازع هناك على موارد العيش البسيطة مستمراً منذ سنوات مع تزايد النهب المسلح، فإن السلطات السودانية أخفقت في إزاحة الشعور الواسع بالظلم والغبن والتهميش وقلة التنمية، ولم تتحصّن عملياً مع انكشاف بلدها أمام تأثيرات مجاورة وغربية، ساعدت في زيادة التأزيم في دارفور، لكنها ليست وحدَها المسؤولةُ عن قتل وحرق آلاف السودانيين، من الأخلاق عدم تناسيهم عند نُصرتنا الحكمَ في الخرطوم، وعدم التعمية، أيضا، على أنّ ثمة مأساة قائمة في دارفور منذ سبع سنوات، من المُشتهى أن يُنهيها اتفاق الدوحة الجديد. والأردنيون، بما لديهم من أحاسيس ومشاعر دينية وإنسانية مؤكدة، مدعوون إلى الانتباه إليها، في أثناء يقينهم إياه عن "مؤامرة إسرائيلية أميركية" ضد السودان.

maan.albayari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اسئلوا مجرب (محمد سعاده)

    الثلاثاء 2 آذار / مارس 2010.
    من عاش هناك اعلم بها ففيها من الفساد ما لا يستطيع احد احصاءه والفساد هناك من النظام الموجود اصلا ويجب اقتلاعه وهو النظام الحاكم الحالي واعلموا ان اغلب المواطنين الاردنين هناك قد تم النصب عليهم بملاين الدولارات نتيجة هذا النظام الفاسد وانا اولهم واقلهم