الجغرافيا الممتدة وحروب المستقبل

تم نشره في الثلاثاء 2 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

رغم الكم الهائل من التحليلات والتوقعات حول جبهات وشكل الحرب المقبلة مع توالي المناورات العسكرية وأشكال الإنذارات والتهديدات، فإن حربا عسكرية بمفهومها النظامي المعروف من المرجح الا تقع.

ثمة تحولات أخرى تجرى في هذا الوقت تشير إلى ميلاد أشكال جديدة من الحروب تقوم على مبدأ الجغرافيا المفتوحة وحروب الجاسوسية وصراعات شرسة بين أجهزة الاستخبارات عبر العمليات النوعية المحدودة والتي سوف يؤرخ لميلادها بحادثة اغتيال المبحوح في دبي.

حروب المستقبل القريب في الشرق الأوسط ستكون في الغالب حروبا بالكواتم الصوتية وعلى امتداد الجغرافيا المفتوحة والحدود الشفافة التي يتسرب منها العملاء والخبراء بالمعاطف الطويلة حيث لا تعرف الجغرافيا الممتدة السيادة ولم تعد بعيدة.

دخل الصراع حول الشرق الأوسط منذ عدة شهور تحولات جديدة وغير ملاحظة بشكل واضح، ومن المحتمل ان يشكل الجيل الجديد من الاستراتيجيات الدولية الجديدة في المنطقة نمطا آخر من الصراع، بعد ان قارب الجيل الأول الذي ساد نمطه العامّ منذ احتلال العراق على الانتهاء، حيث طبع الجيل الأول بطابع توالي تفجير الأزمات من دون إيجاد الحلول لها،  كما هو سائد في السياسة الكثيفة في العراق من دون أفق سياسي، وفي المراوحة الإقليمية المغلقة  في الملف الإيراني، ثم التهميش والتفتيت المستمرين  للقضية الفلسطينية.

تمت في أكثر من مرة مراجعة خبرات العالم في وسائل تحقيق الاستقرار، فالمسار السياسي ليس وحده القادر على خلق التسويات التاريخية، وليس وحده القادر على جلب الاستقرار، وتحديدا إذا ما وصل الأمر بين أطراف الصراع الى درجة من التناقض والتباين التي تجعل البحث عن مستقبل للتسوية مجرد عبث سياسي.

هناك اتجاه تحليلي يرى ان الأوضاع في الشرق الأوسط وصلت الى الحافة، فالأفق السياسي شبه مغلق تماما، بعد تفريغ الدور الأميركي من مضمونه، وآخر إشارة رمزية له كانت  فيما تردد حول خطة أوباما التي تبخرت فجأة، ثم العودة العملية إلى المدخل الإسرائيلي في إدارة الصراع والمتمثل في الصمت على استمرار إسرائيل في مشاريعها الاستيطانية، والانجرار خلف المقولة الإسرائيلية بمنح الملف النووي الإيراني الأولوية الأولى في إدارة شؤون الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من الكثافة السياسية التي اتسم بها الصراع في الشرق الأوسط وحوله خلال السنوات الأربع الماضية وما شهدته من احتلالات وأزمات طاحنة، واستخدام مفرط للقوة وأنماط لم يألفها الإقليم من الفوضى، إلا أن نمط الجغرافيا السياسية التقليدية قد حافظ على استقراره؛ لم تولد كيانات جديدة، ولم تزل دول، ولم تتفكك بشكل كامل مجتمعات أو دول أخرى، بينما تبقى كل البذور التي زرعتها هذه المرحلة من فوضى وحروب أهلية وأزمات وصراخ سياسي قابلة  للحصاد في الجيل المقبل من استراتيجيات الصراع التي من المحتمل ان يكون عنوانها البارز الحروب النوعية الجديدة عبر الجغرافيا الممتدة التي لا ندري في كل مرة أين تضرب وبأي الأدوات. 

احتمالات التحول كيفية وليست تراكمية فقط كما تعودنا، من التهديدات التقليدية التي ما تزال مستمرة بل وتتفاقم إلى تهديدات فوق تقليدية، فالمنطقة بقيت توصف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأنها غير مستقرة وربما أكثر أقاليم العالم توترا، لكنها لم تشهد تصدعا عميقا، كما قد تقود اليه حروب الجغرافيا الممتدة والتي قد تؤدي الى قدر هائل من أعمال العنف الداخلي أيضا.

المنطقة باتت تتجاوز بالفعل سمة عدم الاستقرار إلى مستوى من التفكك الذي قد يصل إلى فوضى حقيقية.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »multiple dimensional understanting is a must (mohammad)

    الثلاثاء 2 آذار / مارس 2010.
    ألتحليل والفهم الرشيد المنطقي هو الأصل والمبني على التّوكل بنيّة
    سليمة هدفها الصالح العام بشكل عام / محمد عمد
  • »نحن ندري من اين تؤكل الكتف (عايدة ابوتاية)

    الثلاثاء 2 آذار / مارس 2010.
    ضمن السياق استاذي الكاتب : اللا يشهد الشرق الاوسط وتحديدا الدول العربية اشكالا مختلفة وجديدة من الاستعمار الغير مباشر ويبررها البعض بانها نتاجاواضحا لزمن العولمة ،اللا يعني تجنيد الشبباب وراء تقليعات الصرعات و الثقافات الغريبة عن عمق مبادئنا التاريخية العريقة وغياب دورهم عن النقاش و التفكير في قضاياه العربية الساخنه ، اللا يعني ذلك تسللا واغتيالا لعمق طاقات الوطن العربي وتهميشها بهذا الشكل المروع ،،، وجهة نظري !!!!