لماذا يحقّ لتركيا ولا يحقّ لمصر؟

تم نشره في الجمعة 26 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

 

ليس الشرق الاوسط هو المجال الوحيد الذي تحرز فيه تركيا الاردوغانية إنجازات دبلوماسية واقتصادية وشعبوية كبيرة، بل إن خريطة هذه الإنجازات توسعت أكثر مع تولي أحمد داود أوغلو وزارة الخارجية الذي جعل "المجال الحيوي" لتركيا يمتد من حدود الصين الى البحر الادرياتيكي، وبالتحديد من أفغانستان الى البوسنة والبانيا.

ومع الاخذ بعين الاعتبار الرصيد التاريخي (العثماني) لتركيا بين مسلمي البلقان الذين يشكلون ثقلا سكانيا في أربع دول (مكدونيا والبوسنة وكوسوفا وألبانيا) فإن تركيا أدركت أنه لنجاح امتدادها الى البحر الادرياتيكي لابد من مراجعة العلاقة مع أعداء الماضي العثماني (الصرب والبلغار واليونان)، وهو ما حققت فيه نقلة كبيرة في العلاقات مع صربيا بالذات.

ومع التحول في العلاقة مع صربيا من العداء الى "التعاون الاستراتيجي" أمكن  لتركيا أن تتوسط بين صربيا والبوسنة وأن تدعو وزيري خارجية الدولتين الى لقاء في استنبول 9 شباط الحالي تمخض عن الاتفاق على تبادل السفراء بين بلغراد وسراييفو.

الاستثمار التركي المتزايد في صربيا جعل بلغراد "تتناسى" قيام تركيا في 1999 بالمشاركة في هجوم حلف الاطلسي عليها وإرسال قوات لها الى كوسوفا ضمن  القوات الدولية، والاهم من ذلك اندفاعها في الاعتراف باستقلال كوسوفا بعد 24 ساعة فقط من اعلان الاستقلال.

أسوق هذا كله بمناسبة قيام وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بـ"زيارة تاريخية" الى البلقان في منتصف شباط الحالي حيث زار أربع دول هي صربيا والبوسنة والجبل الاسود ومكدونيا، وأثار خلالها بعض التداعيات والتساؤلات.

في الواقع لقد كان البلقان في العقدين الاخيرين بعيدا عن الاهتمام العربي على الرغم من مجاورته وروابطه التاريخية وتأييده للقضايا العربية خلال النصف الثاني للقرن العشرين. ولكن بعد انهيار أنظمة الاحزاب الشيوعية وحروب يوغسلافيا وانضمام بعض دوله الى الاتحاد الاوروبي (اليونان وبلغاريا ورومانيا) بقي ما يسمى غرب البلقان (مكدونيا وصربيا وكرواتيا والجبل الاسود وكوسوفا وألبانيا) ميدانا مفتوحا لتركيا واسرائيل فقط.

تركيا كانت معنية منذ عهد اوزال باستثمار هذا الفراغ الاستراتيجي بالاستناد الى الماضي العثماني المشترك، كما أن اسرائيل كانت مهتمة بتحويل الموقف المؤيد للعرب الى موقف مؤيد لاسرائيل تحت عنوان "الارهاب الاسلامي" الذي بدا واضحا في زيارة ليبرمان الاخيرة لصربيا ومكدونيا والجبل الاسود.

وبالمقارنة مع تركيا، التي كانت تستند الى الماضي العثماني المشترك، فإن مصر لها رصيد في المنطقة بالاستناد الى الماضي المشترك بين يوغسلافيا التيتوية ومصر الناصرية، بالاضافة الى أنه لدينا أقلية من "المصريين" كما لدينا أقلية من "الاتراك".

من هنا، اهتمت مصر في بداية عهد الرئيس حسني مبارك بالعلاقات مع دول البلقان وألحقتها بدول أوربا الشرقية في الخارجية المصرية وفي برنامج المساعدات الفنية. لكن يبدو أنه لاعتبارات عديدة غابت مصر عن ساحة البلقان كما غابت عن ساحات أخرى في العالم.

يلاحظ في زيارة وزير الخارجية المصري أنها اقتصرت على طرف من دون آخر. فتركيا نجحت في البلقان لأنها انفتحت على الجميع، وأصبحت مقبولة من الجميع كوسيط حتى بين صربيا والبوسنة، ويمكن أن تلعب هذا الدور مستقبلا بين صربيا وكوسوفا.

من المأمول أن يكون صحيحا ما تذكره بعض المصادر الدبلوماسية في القاهرة وتيرانا أن هذه الزيارة ستعقبها زيارة أخرى لابو الغيظ بعد شهرين يزور فيها بقية دول المنطقة. ومن المأمول أن تشمل هذه الزيارة كرواتيا وألبانيا وكوسوفا حتى يكون الحضور المصري الجديد في البلقان متوازنا ومقبولا أكثر.

فكما يحق لتركيا أن تعترف بكوسوفا وتقيم علاقة جيدة مع صربيا لماذا لا يحق لمصر أيضا أن تعترف بكوسوفا وأن يكون لها علاقة جيدة مع صربيا؟

mm.arnant@alghad.jo

التعليق