د.باسم الطويسي

التجريب في المختبر التنموي

تم نشره في الجمعة 19 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

الأردن منطقة تنموية واحدة ومرة واحدة، لا بأس بذلك، ويمكن التخلي  مرة واحدة أيضاً عن الفكر الذي قاد عقداً من الممارسة تحت عنوان "المناطق التنموية والاقتصادية" التي دارت حولها نقاشات واسعة ومبررات وانتقادات واسعة أيضاً، ولعل من أهم المبررات التي بُحت الحناجر في تكرارها دفاعاً عن فكر المناطق التنموية هو سد الفجوة التنموية في المحافظات وإنتاج سياسات وممارسات تنموية أكثر عدالة.

تكررت الحالة نفسها في بناء سياسات الإدارة المحلية في المركزية واللامركزية ومشروع الأقاليم واختلاط السياسي مع الاقتصادي وغياب المنظور التنموي إلا كمبرر كلما أردنا تغيير العنوان والجهة، ومن كثرة التجريب لم يعد لا الناس ولا حتى الخبراء يدرون ما هو الصحيح وما هو الخطأ، فالتجارب في مختبرنا الكبير لا تكتمل.

هناك حديث عن فشل في بعض تجارب المناطق التنموية، ونجاح في مناطق أخرى، وهناك أصوات عاقلة تقول إن التجربة بأكملها تحتاج مراجعة جريئة وعلمية قبل الحكم بشطبها بجرة قلم، هذه المراجعة تحتاج إلى توحيد المرجعيات والأطر التشريعية وبناء منظور علمي "نموذج أردني" للمناطق التنموية على أسس تكاملية ووفق معادلات الموارد والميزات التنافسية للمحافظات والمدن الأردنية.

لا أحد يريد أن تتحول البلاد إلى مختبر للتجارب التنموية الفاشلة أو المبتورة والمجتزأة، فمستقبل الأجيال القادمة ليس مجرد قاعة صفية أو مختبر جامعي تجرب فيه النخب من بعيد آراء وتوقعات غير ناضجة.

صحيح أن هناك من المبررات الطارئة للتفكير بإجراءات وحلول إبداعية في ظل الظروف الاقتصادية والتوقعات السلبية، ومنها قصة إعلان الأردن منطقة تنموية واحدة بهدف تحسين بيئة الاستثمار ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وذلك بتقديم إعفاءات ضريبية وامتيازات شاملة، لكن هذا يعني من جهة أخرى إلغاء الميزات الخاصة التي منحت لبعض المناطق في المحافظات والعودة إلى المربع الأول وإعادة التركيز الاقتصادي وإعادة تدوير الاختلالات التنموية بين مناطق المملكة وإنتاج المزيد من المناطق الرخوة اقتصادياً وأمنياً.

سيقول البعض إن تجربة المناطق التنموية ما تزال في المهد ولم تحصد نتائج ملموسة في ردم الفجوة التنموية، وهذا بالفعل صحيح أيضاً، ولكن الجوهر في الدفاع عن الفكر الذي كان يمكن أن يعمل على إصلاح تلك الاختلالات بالتراكم وتطوير مبادئ الكفاءة  في إدارة الموارد المحلية والانتقال إلى منظور التنمية التكاملية بين أقاليم المملكة.

التجريب هو الذي ينتج كل هذا الخلط ويجعل الرؤية غائبة ويسوغ لكل صاحب رأي موقفه حتى تبدو كل الأطروحات صحيحة ولا شيء على الأرض يتحقق. إن التفسيرات المبسطة والدرامية أحيانا التي تحيل الأزمات الاقتصادية الاجتماعية المحلية إلى الحقل الخارجي هي أقرب ما تكون إلى رغبة يكررها صناع القرار في كل مرة تحاول إدخال الدولة الأردنية في حلقة مفرغة مركزها الاقتصاد السياسي العالمي والإقليمي، في محاولة متكررة لتجنب البحث في الاختلالات المحلية والوقوف في وجهها، وهي حلقة تاريخية اتجهت دوما نحو الانشغال في تفاصيل تراكم التدفقات الخارجية على أهميتها التي تفرضها طبيعة النظام الاقتصادي العالمي، وأغفلت النظر إلى أحوال التراكم الداخلي، وهو التراكم الحقيقي الذي يخلق التنمية ويوفر الحصانة أمام التحولات العالمية ويقلل من قسوة آثارها على القواعد الاجتماعية. 

  وبالعودة إلى خطة الطوارئ الاقتصادية الوطنية التي تتطلبها المرحلة، فإنها أحوج إلى أن تدار بعيدا عن الإدارة الإعلامية اليومية، فهي بحاجة إلى إدارة اقتصادية اجتماعية تستجيب إلى حاجات الناس قبل رغباتهم ولحساسية موقف الدولة الأردنية في هذه المرحلة، تحتاج إلى وقف الارتجال السياسي والإداري وإلى بناء تراكم إنتاجي وطني حقيقي وفكر تنموي جديد.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق