إبراهيم غرايبة

أسلوب للحياة يرتقي بالمدن والمجتمعات

تم نشره في الجمعة 19 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

بث في شهر رمضان الماضي ما لا يقل عن مائتي عمل درامي عربي جديد، نتحدث عن حوالي بليون دولار أنفقت على الدراما هذا العام، وعلى رغم ذلك فإنها أعمال يغلب عليها أنها لا ترقى إلى التعبير عن متطلبات المدن وحياتها وتشكلاتها، وهذا هو السؤال الملح عند النظر في حال تشكلات المدن والمجتمعات العربية، لماذا لا تتشكل حياة ثقافية ملائمة،  رغم الإنفاق الهائل، تلائم الوعي المطلوب للذات؟ لماذا تظل التشكلات الثقافية كما هي قبل عقود من دون ملاحظة التحولات الكبرى التي دخلت فيها المدن والمجتمعات؟ لماذا لا تشدنا إليها بالمعنى الذي يضيف إلينا شيئاً جميلاً جديداً أو تحسّن حياتنا؟

هذا الخواء أو الفجوة بين المدن والأعمال والموارد وبين التشكلات الاجتماعية والثقافية حولها ربما يلخص أزمة الطبقات الوسطى وأزمة الإصلاح أيضاً في الدول والمجتمعات العربية، ففي غياب هذا الوعي لما تريده المجتمعات وللفرق بين واقعها وبين ما تريده يخيم الخواء، وتفقد المجتمعات وجهتها في مطالبها وما تسعى إليه وما تــريد أن تحققه، بل لا تميز في سعيها ومطالبها بين ما هو متحقق بالفعل وبين ما تريد تحقيقه.

نشأت الرواية والمسرحيات والأعمال الموسيقية والفنون التشكيلية والسينما والدراما باعتبارها تشكيلاً اجتماعياً وثقافياً اقتضته عمليات التمدن ونشوء المدن وتطورها، وعلى مدى التاريخ.

وفي جميع الحضارات كانت مجالس المدن الخاصــة والعامة، المتواضعة والأرستقراطية تقوم على الحوارات والبرامج الأدبية والفنية والسياسية، ذلك أن المدن تقوم على طبقات من المهنيين والمثقفين وأصحاب الأعمال وقادة الحكم والإدارة والمؤسسات العامة والتجارية، وتتشكل علاقاتهم الاجتماعية بناء على الأعمال والقيم والأفكار والمصالح المشتركة، ففي الأندية والمقاهي والبيوت تكون الثقافة والآداب والفنون والموسيقى والسياسة هي المجال المشترك للأصدقاء والجيران والزملاء الذين لا تربطهم ببعض روابط القرابة، وتنتمي معرفتهم ببعض إلى الحياة المدينية والعملية المشتركة.

وهنا يفترض أن تختفي إلى درجة الانقراض الأخبار والقصص الشخصية والعائلية والنميمة، لأنها تنتهك الفردية، فتكون تسلية الناس في القراءة والموسيقى والفنون والذهاب إلى المسرح والسينما والأمسيات الثقافية والفنية، وتكون المجالس واللقاءات أيضاً قائمة على هذا التشكيل الاجتماعي والثقافي ومستمدة منه.

ولكن الحياة الثقافية والاجتماعية ليست مجرد ترفيه وتسلية أو تمضية للوقت، وفي حالة انفصالها عن مقتضيات الحياة وأساليبها المفترضة فإن حلقة في سلسلة الحياة تضيع، وبضياعها تتعرض السلسلة نفسها للانهيار، مثل سبحة ينفرط عقدها، ذلك أن الناس في التسلية والترفيه والنشاط الاجتماعي والثقافي والرياضي وتمضية الوقت والزيارات يعيدون تشكيل أنفسهم وحياتهم. وأعمالهم لتكون أفضل، ولتتغير احتياجاتهم نحو الأفضل أيضاً.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تسلية المترفين (منال)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2010.
    ألمسلسلات الرمضانية لتسلية الجمهور صاحب القوة الشرائية وليست لحل مشاكل تنموية. والقوة الشرائية تملكها دول الخليج والنخب العربية التي أشرفت على مشروع الإنهيار الحضاري العربي. هذه النخب تعيش في عزلة عن محيطها الذي يذكرها بفشلها وآخر شيئ تريده ان تتفرج على محطة تبث برامج عن مآسي الجيتوهات العربية وهذا يفسر ان الجماهير العربية تشاهد الجزيرة والتي تكاد تخلو من إعلانات عن مواد إستهلاكية للمترفين بينما الفضائيات السعودية هي محور الثقافة الإستهلاكية للمترفين القادرين غلى دفع 5 دنانير لوجية كنتاكي ونصف دينار لشوكلاته كادبري.
  • »copy from above article (mohammad)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2010.
    i just want to copy the last paragraph in your valuable essay / mohammad