د.باسم الطويسي

"السياسة الصامتة" في الثقافة الأردنية!

تم نشره في الاثنين 15 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

ماذا يقول الناس؟ وكيف يعبرون عن مواقفهم حول الحكومة والبرلمان الغائب والانتخابات المنتظرة، عن غلاء الأسعار وغرائبية تقارير المنظمات الدولية، عن أزمات التعليم والجامعات ومدى إدراكهم لحجم الأزمة الاقتصادية القائمة والمقبلة؟

في التفاصيل ثمة سياسة صامتة تبدو في الثقافة الشعبية لا يمكن أن تكشفها استطلاعات الرأي العام، ولا الدراسات الكمية والكيفية.

الشعور العام للناس تعبر عنه بصدق وببساطة الثقافة الشعبية بممارسة السياسية الصامتة أو اللامبالاة التي تعبر أحيانا عن نقمة دفينة أو فجوة معرفة، وفي الحالتين تكشف التعبيرات السياسية في الثقافة الشعبية عن حجم إفلاس وسائل الإعلام وضعفها، وتداعي وضعف النخب على هوامشها.  

يغلب على الثقافة الشعبية طابعها الشفوي والعفوي، وعادة ما تجسد هذه الثقافة خلاصة تجارب المجتمعات الشعبية في نواحي الحياة المختلفة، ولا تعني شفوية الثقافة بأنها مجرد حكي، أو وقوعها في دائرة السطحية والبساطة.

الثقافة الشعبية تعبر عن خلاصة تجارب اجتماعية عميقة، وعن خبرة هذه المجتمعات في علاقاتها مع الآخرين والبيئة والتاريخ، وتعبر أيضا عن خلاصة موقف سياسي عميق ومدهش، قد يتم اختصاره على شكل نكتة سياسية، أو قول مقتضب أو مثل شعبي يختصر ويتجاوز ربما مناهج علمية في تحليل الوقائع والأحداث.

كما تتسم الثقافة الشعبية بأنها لا تخضع للرقابة الرسمية والمؤسسية ما جعل هذا النمط من الثقافة أكبر منتج لأشكال متعددة من التعبير السياسي، الذي قد يحمل أنماطا ثقافية تبريرية، حينما تلجأ الجماعات الشعبية للتعبير بطريقة ما عن عجزها في نيل مطالبها، وأحيانا ثقافة تستر ترفض الاعتراف بالواقع، بل تضع ستائر تحجب رؤيته، وأخرى ثقافة مقاومة، وثقافة تغيير ونشر قيم جديدة.

وبكلمات أخرى الثقافة الشعبية تعد مستودعا ضخما يمكن توجيهها بالطريقة التي نريدها، وتحويلها إلى قوة مبدعة وواجهة قوية في مواجهة الأزمات.

لماذا تعد الثقافة الشعبية أحد جسور نشر قيم الديمقراطية في المجتمعات المحلية الأردنية؟ لأنها الأقرب لوجدان الناس، والأكثر قدرة على الانتقال من ثقافة أولية إلى وعي ومعرفة متقدمين، ثم ميل قيم الثقافة الشعبية المحلية ومعاييرها نحو قيم العدالة والمشاركة والرغبة في التغيير  بالطبع.

كذلك، ما تملكه الثقافة الشعبية من وظيفة اجتماعية تبريرية وإقناعية تفوق غيرها، كلّنا نتحدث عن تغيير من دون مضمون واضح أو آليات محددة، حتى أصبحت مقولة التغيير مجرد موضة لفظية مفرغة المضمون ولا طائل منها، في حين قليلا ما نلتفت إلى أن أهم قانون للتغير الاجتماعي والثقافي، هو الانطلاق من الخصوصية الإيجابية، من رواية الناس حول ذاتهم قبل رواية الآخرين.

توجد مشكلة حقيقية في الثقافة السياسية السائدة في الأردن، أخذت تتضح منذ بدايات التحول نحو الديمقراطية في العام 1989، تتمثل في ابتعاد خطاب الإصلاح والتنمية السياسية وجهود نشر ثقافة حقوق الإنسان، عن واقع الناس المعاش، وتحديداً في المحافظات الأردنية.

الثقافة التي تحاول أن تنشر بذور التحول الديمقراطي قُدمت للناس بطرق ومضامين بعيدة عن تجارب وخبرات وتراث مجتمعاتهم.

لذلك، طالما تعاملت معها هذه المجتمعات بأدنى درجات الجدية أو الاهتمام، الأمر الذي نلمسه في تواضع استعداد المواطنين عن ممارسة المشاركة السياسية بأدواتها المعاصرة، التي تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي على المستوى الوطني، بالرغم من أن أعلى نسب الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع من هناك، وهم أكثر فئات المجتمع في ضعف ممارسة السياسة والضغط، وبناء التحالفات في الوصول إلى المصالح.

وتسود سيطرة الأشكال التقليدية في الممارسة السياسية، وعلى رأسها هيمنة العلاقات القرابية، وسيطرة القبائل والعشائر على السياسة المحلية، وبطء نمو المجتمعات المدنية، وعدم وضوح الخطاب المعبر عن ثقافة حقوق الإنسان، لكن هذه الثقافة نفسها قد تمتلك قوة إيجابية أخرى إذا ما تم توظيف عناصرها الإيجابية.

ثمة سياسة صامتة أقوى من ضجيج وسائل الإعلام، وتقول كلاما بليغا وحكيما وقاسيا أحيانا في القرى والحارات البعيدة، وعلى أبواب الدكاكين في عشوائيات المدن.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إلى الأخ وصفي (أردنية)

    الاثنين 15 شباط / فبراير 2010.
    تعليقك جميل جداً وصائب. أضحكتني. صباحك جميل وتحياتي لك.
  • »ما حدا فاضي (salam - petra)

    الاثنين 15 شباط / فبراير 2010.
    المهم في الرأي العام مش في الثقافة الاجتماعية ؟؟!!! وكلنا نعرف الحق العام والتعبير عن الأراء بس ما حدا فاهم علينا كشعب يعيش في المتغير الاقتصادي والفساد الاداري والاختلاسات في كل مكان ..من المسؤل عن ذلك كله ..الشعب يعرف كل شيء لكنه لا يعبرالا بالكلمات فقط ويتضجر ويولول ويتذمر من كل شيء حوله .زولا حدا قاريء في كتابنا...
  • »وقفة مع الصمت (عايدة ابوتاية)

    الاثنين 15 شباط / فبراير 2010.
    استاذي الكريم : ما تقوله فعلا من صلب الواقع ولا ابالغ اذا ما قلت لك بان التاس بدات تبحث بمسؤولية عن بدائل حل الازمة الاقتصادية على مستوى حياتهم ، في مجالسهم المليئة بالتوتر والخوف والترقب يتخيرون من اولويات الحياة الضرورية اقل القليل في سبيل تحسين وضعهم والتعامل مع الوضع بحكمة واعتقد ان ذلك اعلى درجات المسؤولية ،ولو استمع الساسة وصناع القرار لاحاديثهم لربما وجدوا حلولا صالحة لمعالجه الازمة برمتها بعيدا عن اجتماعاتهم الحمراء. السياسية الصامته في الثقافة الشعبية كما عبرت سيدي الكريم ليست سطحية نعم بل واقعية حتى العمق ، ولا نبالغ ايضا القول بان ذلك مناخا صحيا يمكن استثماره ، وبالحديث عن المشاركة السياسية لست متفائلة في ان يتغير الواقع الذي اشرت اليه بسيطرة العلاقات القرابية و جماعة العشيرة ، وهل سنصل لدرجة تغليب المصلحة العامة فعلا على المصلحة الشخصية ؟ ان ذلك املا ضعيفا !!!!
  • »الله يجيب الخير (وصفي الاردن راجع)

    الاثنين 15 شباط / فبراير 2010.
    وهل عجزت الاردنيات على جلب رئيس وزراء حتى تصبح الوزارة وراثة.
    دولة ابن دولة ابن دولة ...لماذا
    اصبح الوزراء مطمئنين لان الوزارة عندنا وراثية ولا يفقه الا هولاء ونحن الحمد لله شعب فقط لا نتطور مع ان اكثرهم غير موهل لادارة مدرسة