إبراهيم غرايبة

مدن تحنو على ساكنيها

تم نشره في الأربعاء 10 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

 

ليست وحشية المدن وقسوتها قدرا حتميا، أو أسلوبا تلقائيا للحياة فيها، بل العكس هو الصحيح، فالمدن عادة دافئة ورحيمة، وغالبا ما تكون العشوائية والوحشة والاغتراب في المدن مردها إلى عجز الناس وإدارات المدن عن توفير وتهيئة أساليب للحياة والإقامة والعلاقات ملائمة للمدينة، كيف يمكن الجمع بين الفردانية في المدن والتعاون والدفء في العلاقة؟ كيف يمكن بناء الانتماء والمشاركة وفي الوقت نفسه تشكيل الخصوصية والعزلة الإيجابية الضرورية للمدن وسكانها؟ لا بأس من مواصلة تكرار القول بأن الروابط والعادات القروية تحول حياة المدن إلى شقاء، فالروابط القرابية ترهق الأوقات والعادات والأعمال، فالأصل في العلاقة المدينية أنها تقوم على الجوار والصداقة، والبيوت في المدن بطبيعتها لا تصلح للضيافة وقضاء الأوقات الجماعية، والأصل أن تتجمع العائلات في الحدائق والنوادي والساحات ليستطيع الأطفال اللعب وللتحايل على ضيق البيوت، وأن يلتقي الاصدقاء في النوادي والمقاهي لمنح البيوت والجيران خصوصية وسكينة، وأن يكون محتوى تجمع الناس ولقائهم قائما على الثقافة والفنون أكثر من النميمة وقصص الجيران، وفي غياب موارد النميمة في المدن او تعقد الحصول عليها تصبح الحياة مملة مفتعلة، ولكن النظر إلى أساليب الحياة التي ترتقي بها وتجملها أو تبادل الخبرات والمعارف يجعل من التجمعات العفوية أو لحضور الأفلام والأمسيات الفنية والثقافية مصدرا لحياة ثرية وجميلة.

وسيتيح التعايش التلقائي والمتواصل فرصا للتشكل الاجتماعي والثقافي للناس والتجمع على أساس مصالحهم وأولوياتهم، من قبيل التعليم في مدرسة الحي التي يدرس فيها أطفالهم، والمباريات الرياضية والترويح في النادي، والانتخابات المحلية والنيابية التي تجري، والتنسيق والمشاركة مع السلطات والشركات لأجل رفع مستوى جودة الخدمات التي تقدمها الشركات والمؤسسات، ومواجهة المشكلات والتحديات والاحتياجات الاجتماعية والصحية، مثل رعاية الأطفال والكبار وذوي الاحتياجات الخاصة، والاستهلاك، والجرائم والإدمان، أو توفير الاحتياجات الأساسية بأفضل مستوى وأقل تكلفة مثل الماء والكهرباء، والخدمات الصحية والاجتماعية.

ويمكن بمستوى أكثر تقدما (ولكنه ممكن جدا) من العمل المؤسسي المجتمعي تشكيل جمعيات ومنظمات للمجتمع المدني تعنى بقضايا كثيرة جدا ومفصلة من أساليب الحياة وتطويرها، مثل حماية المستهلك، حمايته على نحو أكثر تفصيلا من الاستهلاك العام، مثل جمعيات أكثر تخصصا وخبرة في حماية عملاء البنوك، والمستفيدين من خدمات الكهرباء والاتصالات والتأمين، وإدارة المخلفات والنفايات وتدويرها، وبعضها يمكن إعادة استخدامه بسهولة، وبعضها الآخر يحتاج إلى معالجة تقنية، وتطوير العلاقة بين المواد المستخدمة في البناء والاستخدام المنزلي وأمراض الحساسية والربو، والعلاقة بين تصميم المبنى وأسلوب الحياة، السلام، الكرم والتسامح، العنف، الهدوء، الخصوصية، الانكفاء، الإطلالة، الثراء والفقر، التواضع، الجمال، السمو، السيطرة، الكفاية، المروءة، العمل والتعليم في البيت، التعاون، الفردية، العزلة، المشاركة، الكثافة السكانية، وهكذا فإن الناس في المدينة قادرون على التجمع وفق منظومة من المبادرات والأعمال التي تجعل لحياتهم معنى وتمنحهم أيضا الانتماء والمشاركة، .. والتقدم أيضا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »functional citizenship = nationalism (mohammad)

    الأربعاء 10 شباط / فبراير 2010.
    مقال أكثر من رائع يوضّح المدنيّة المدائنيّة ومدنيّة المدينة والذي يستدعي
    بالضرورة وجود الساكن المدني بعقلية المدنيّة أو بعبارة أخرى المدني
    المدني ( جذر الفعل آرامي من الدين ؟ ) وللتوضيح نقول : لا بد من
    الممارسة الأخلاقية للمدنيّة ليكون الحصاد خيرا وبعكس ذلك يكون
    الحصاد شرّا ، وباللغة العصرية يتوجب ممارسة المواطنة ( المواطن
    والوطن على السواء ) بشكل أخلاقي وعلى رأي المثل الشعبي " طقّة
    على الحافر وطقّة على المسمار " ، وبعكس ذلك لن تكون السيادة
    للخير ، وعلى رأي المثل فالوضع الحالي هو " كالهجين الذي وقع في
    سلّة التّين " ... من سيشتري التّين عندها ؟ هل هو الفلاح القروي ؟
    أم هو المدني ابن المدينة ؟ أم هو المواطن ؟ أم هو المواطن المواطن ؟
    السّؤال في ملعب الحكومة برسم الإجابة .