د.باسم الطويسي

رؤية نقدية لآليات تشكل النخب.. ضرورة وطنية

تم نشره في الأحد 7 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

الفساد غير المرئي الذي يخرج من نطاق معايير الفساد المالي والإداري المباشر أكثر فتكا بهياكل الدولة من أشكال عديدة من الفساد الصارخ، فالأشكال الناعمة للفساد تكمن خطورتها في كونها تمارس على مدار الساعة في اكبر المؤسسات واقلها من مجالس عمداء الجامعات الى مجالس البلديات ومن سلطة الفرد في المؤسسات المستقلة الى الهياكل البيروقراطية المعقدة.

اما مصدر هذا الفساد الأساسي وليس الوحيد فهو آلية تشكيل النخب الحكومية ونخب مؤسسات الدولة الأخرى، وسيادة منظور من القيم المشوهة في منظومات الولاء والانتماء والتي تجعل من  الولاء للأفراد المعيار الأول الذي  يتجاوز كل ما يعرف عن الانتماء للأوطان والكفاءة والجدارة والنزاهة، وبما يتجاوز حتى فوضى الولاءات التقليدية في أبعادها القرابية.

يبدو ذلك داخل المؤسسات وعلى هوامشها. في المقابل تغيب كل القيم الكبرى في تشكيل النخب في مسار بناء الدولة الوطنية، حيث تتحول عملية التحديث إلى موجات من العصف الذي لا يخلو من التدمير حيث تعمل الفوضى  على إزاحة البنى الاقتصادية التقليدية وتعجز عن إيجاد بدائل حقيقية وفاعلة مكانها، وتخلق ثنائيات جديدة تعصف هي الأخرى بالأوضاع والبنى الاجتماعية، وعلى حد تعبير (الان روسيون) تصبح النخب ضد الجماهير، والدولة ضد المجتمع، والحداثة المستوردة ضد القوى الحية القابلة للتغير، وتغترب نوايا العقلانية والعلمانية وتموج المجتمعات بصراعات لا تاريخية أي صراعات لا تحمل إمكانية التغير والتحديث الحقيقي.

بات واضحاً أن الأعوام القليلة الماضية قد شهدت محاولات جادة لإعادة صياغة النخب الرسمية الأردنيّة والخروج من قبضة القانون الحديدي الّذي طالما سيطر على تكوين تلك النخب وآليات إنتاجها، لكن الحقيقة تفيد باستمرار الآليات التقليدية رغم الضجيج حول صراعات داخل تلك النخب فلا يوجد قديم يستميت من اجل البقاء ولا جديد يناضل من اجل إثبات الوجود، ما يعني ضرورة تكوين رؤية نقدية وطنية حول الآليات تكوين النخب بكل أطيافها والأسماء التي توصف بها وكشف ضروراتها التاريخية، وتقييم الآليات الجديدة ودفعها إلى الأمام نحو تنمية الاستثمار الامثل بالإنسان على قواعد الجدارة والإبداع والاستحقاق.

وعلى سبيل المثال لم نجد دراسة توضح للرأي العام دور النخب الحكومية المتقاعدة في عمان التي تعود في أصولها إلى المحافظات، وستتذكر مدنها وقراها في مواسم الانتخابات وهم الذين يمارسون بالفعل الإدارة الشكلية بالتواطؤ مع بعض المؤسسات من خلال قيامهم بأدوار الوساطة والسمسرة.

الكثير من أفراد هذه النخب الذين لم يبذلوا جهداً حقيقياً أو يقدموا خدمات جليلة تبرر نفوذهم الذي لا يتوقف أو ثرثراتهم التي لا تنتهي، لا يريدون أن يتوقف هذا النفوذ، ولا يسمحون أن تولد نخب جديدة من دون أن تمر بهم، وهذه أداة يمكن أن تفسر بعض جوانب المشاركة الشكلية التي تحرم تلك المجتمعات من التوزيع العادل للقوة من خلال المشاركة الفعلية وبالتالي يتم تدوير التخلف الاجتماعي وتدوير الفقر.

ولعل المتتبع يلاحظ دور الفترات المضطربـة ومراحل التحولات الكبرى فِي إبراز النخب المثقفة والعضوية وتأكيد دورها كأداة للتحديث والحماية، ولقد شهدت بدايـة مرحلة التحولات الديمقراطية فِي الأردن، موجـة من استقالـة المثقف من دوره كموجه للحركة السياسية المدنية وأصبح يدور فِي رحى حالتين تعصفان اليوم بالمثقفين الأردنيين؛ أولاهما التهميش الّذي سيصل حتما إلى حالة من الاسترخاء والنسيان، والحالة الثانية المشاركة السلبية التي سمحت بتحول رموز من النخب المثقفـة إلى مجرد أسنان فِي ماكنات الإدارة العامة الضخمة، حينما لَم يسهموا فِي تقديم رؤى نقدية تساعد في تقدم النظام والحياة السياسية في البلاد. 

النخب المثقفـة والعضوية بالتصاقها بالمجتمع والتي تلقت تعليماً وتملك الاستعداد للتغيير، هي الأكثر وعياً وقدرة عَلى التنظيم وهي المعنية باختراق تقاليد النخب التقليدية وقوانينها ولقد بدأت مؤخراً بالفعل بالتسرب الخجول والمحدود إلى أجهزة الدولة والنظام السياسي.

وهذه النخب هي المعنية بإنتاج ثقافـة سياسية جديدة وترشيد التحولات الاجتماعية واستثمار إرادة الدولة نحو التغيير، وذلِكَ بتبني خطاب نقدي شامل وهو أكثر ما نحتاجه فِي مرحلة الخروج من حالة فقدان الوزن داخليا وخارجيا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تنظير (علي)

    الأحد 7 شباط / فبراير 2010.
    للاسف الشديد الفساد الناعم الذي اشرت اليه هو حقيقة ولكن اصبحت جزء من ثقافتنا انا وانت نشترك به عندما نكون اصحاب قرار مهما صغر هذا القرار. عندما نفكر بحاراتنا اكثر من تفكيرنا في مدينتنا، وعندما نعتبر مدينتنا هي قريتين وقريتي اخذت ولم تاخذ نكون فعلا فاسدين او جاهلين ولكن الجهل ليس التفسير المنطقي احيانا عندما نكون نحن حاملي شهادات عليا ومنظرين
  • »نعم لكبح الفساد (بسمة - البتراء)

    الأحد 7 شباط / فبراير 2010.
    نحن في الاردن نعيش حالة من التنوع الفكري ونعيش حالة من القهر الاقتصادي والفساد يسود معظم القطاعات لا سيما المجتمع المدني الذي يغزوه التمدن بالحضارة على حساب الحياة والرفاهية الزائدة ولا يوجد رقيب ولا حسيب ولا من اين لك هذا ..والفقر يوجج المجتمع الريفي والقروي ..الى متى هذا الاستمرار في التنوع بالطبقات والتنوع في العيش..بين فقر وبين غنى فاحش ..نشد على يدّ كل من يكبح الفساد ويفتش عنه هن وهناك ...
  • »نعم للضروة الوطنية (عايدة ابوتاية)

    الأحد 7 شباط / فبراير 2010.
    لا استطيع التفكير بعيدا عن نظرية المؤامرة ، قنوات كثيرة تعمل على خدمة من ينتمون لما سماه الكاتب الاشكال الناعمه للفساد ، البسطاء من الناس يثقون بمن يمثلهم في المدن الكبرى او العاصمة وتجد ولا ابالغ انهم لو فرضوا فرضا سيتبعه العامه،والمطرقة تضرب بجانبين:الناس البسطاء الذين فتكت بهم طيبتهم وممكن الجهل احيانا اخرى،والقله الفتاكه التي لا تشبع وتجد مبررات دائما لكل ما تفعل و مسانده ودعم من اصحاب المصالح وفي النهاية اعتقد ان المصلحة العامة و مصلحة الانسان بالدرجة الاولى هي المتأثره لعل تصويب الاوضاع ممكن ان يكون متعبا وطويلا لكن اذا ما بدا بداية صحيحة ودخل في منظومة القيم والعقل الجمعي للافراد في مجتمعاتنا قد نصل فعلا لاليات تكوين وفرز النخب الحقيقية التي تحمل هم الوطن ومصلحة المواطن