إبراهيم غرايبة

الوفاء للزاد

تم نشره في الجمعة 5 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

لماذا يعتبر الزاد المشترك بين الناس عقدا اجتماعيا على الصداقة والتضامن والوفاء؟ فالتراث العربي وربما الإنساني يرى في الطعام أساسا لمشاركة عميقة وطويلة، ويصف من يخون الصداقة والعشرة والحقوق بالواجبات بأنه "يخون الزاد" ويصف الصداقة والعلاقات الطيبة بأن بيننا "عيشا وملحا" وفي مجالس العرب يقسمون بالقهوة "وحياة الوالمة" تعبيرا عن قدسيتها باعتبارها رمزا للسلام والمشاركة بين الناس.

ربما تعود الفكرة في منشئها إلى تجمع الناس حول مصالحهم ورعاية هذه المصالح بالتضامن والوفاء والحرص، أي أنها الثقافة المنشئة لحماية المصالح ورعايتها وتجديدها، فقد كان الناس يعتمدون في طعامهم على ما تنتجه الأرض مباشرة من الزرع أو البحار والأنهار من السمك وطعام البحر، والأنعام والمواشي والطيور، ويخضع الإنسان في ذلك للظروف وتقلبات الطقس والمواسم، فيتعرضون للمجاعة والحاجة الماسة للطعام، وفي أسفارهم وتنقلهم للعمل والتجارة يحتاج الناس إلى الأمن والطعام، فالخانات (الفنادق) لم تكن متاحة ومنتشرة ومتيسرة لكل الناس، فهي في المدن والمحطات على الطرق، وكان الناس يجدون في الضيافة والكرم والشجاعة اتفاقا ضمنيا لأن الضيف اليوم سيكون مضيفا في يوم آخر، ولأن المحتاج اليوم سيكون قادرا في يوم آخر على تقديم المساعدة، والعكس أيضا صحيح، فمن يجد اليوم طعاما يقدمه للناس والمحتاجين قد يتعرض لظرف لا يجد فيه طعاما يأكله، وهكذا فقد وجد الناس في التضامن وتبادل الطعام وفي الضيافة والكرم والوفاء حماية لحياتهم ومواردهم وتعظيما لها، وفي المقابل فإن خيانة هذا الميثاق (ميثاق الزاد) إخلال خطير بمنظومة الحياة والمصالح والقيم، بمثابة خيانة عظمى، اعتداء على المصالح والقيم الأساسية، ويقال من يشرب من بئر لا يلقي فيه حجرا.

والملح بتقديري ليس زادا فقط، ولكن الملح يمثل مصالح وأعمالا أخرى كثيرة في غاية الأهمية، منها التداوي وحفظ الطعام وتخزينه، وبخاصة الأسماك في البحر، وبدونه كان الصيد في البحر شبه مستحيل، وما يزال استخدام التمليح في الصيد البحري دارجا، ونعلم أن أن الثورة الأميركية والثورة الفرنسية وثورة غاندي السلمية في الهند جميعها قامت حول الملح.

وفي بعض الأحيان يتناول العرب من الطعام لقمة واحدة تعبيرا عن المشاركة والسلام، لأن الامتناع عن تناول الطعام إذا قدم للناس يعني السوء والشر والقتال، وفي القرآن الكريم عندما قدم النبي إبراهيم الطعام "عجل حنيذ" للضيوف وامتنعوا عن تناوله "أوجس منهم خيفة"، فقد كان الناس عندما ينوون قتال شخص أو قوم يرفضون تناول طعامهم حتى لا يقعوا في الخيانة، أو يضطروا للامتناع عن القتال.

وبالطبع فإنها قيم تعبر عن التضامن العام لحماية مصالح الناس وحقوقهم، ولذلك فإنها اليوم تتمثل في ثقافة العمل والإنتاج والمساعدة، فهؤلاء الموظفون في القطاع العام او الخاص الذين يهدرون أوقات الناس وكرامتهم ويعرضونهم للأذى أو يضرون بمصالح المؤسسات التي يعملون فيها "يخونون الزاد".

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاخ عطا (إبراهيم غرايبة)

    الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
    الأخ عطا
    تحية طيبة
    أشكرك لملاحظتك
    أعتقد أن ما كتبته عن الحركة الإسلامية كان من باب الوفاء للزاد والانتماء للفكرة، وإذا رأيته قاسيا فأنها قسوة الوفاء والانتماء
    وعلى أية حال فقد كتبت رواية طويلة "السراب" واعتقد أنك ستجدها مليئة بالوفاء والذكريات والحنين
    المشكلة يا عطا أن الرفاق هم الذين خانوا/نسوا الزاد والملح وليس أنا
    شكرا لك مرة أخرى
    إبراهيم
  • »leetre (wafaa)

    الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
    very niiiiiiiiiiiiice and i love yoy make me feeel very hungry
  • »نقطه.......؟ (عطا الفرسوني)

    الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
    المقال جيد..وبه اشارات تستحق التقدير ؟
    ما احب اضافته هو جميل ان نميز ..او نضع حدا بين تلك القيم والمعاني المتعلقه بالملح والزاد,لنسقطها على واقعنا؟فما هو الفرق بين النقد البناء المتجرد..وبين عدم الوفاء لاهل الفضل احيانا؟
    استاذ ابراهيم اللحظ عليك احيانا عدم تذكرك لتلك القيم والمعاني حينما يتعلق الامر بنقدك للحركه الاسلاميه؟جميل الوفاء حينما لا يتحول الى خصومه؟واعتقد بان خير وبركة الحركه الاسلاميه قد وصل للكل منا؟
    فابراهيم غرايبه لم يكن ليصل الى ما وصل اليه الا بفعل البيئه والثقافه التي استقاها من ينابيع تلك الحركه ؟اتمنى ان تكتب مقالا حول تلك الفكره..شاكرا سعة صدرك بهذه الملاحظه؟
  • »علمني البحر (يوسف العواد)

    الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
    اشكر الكاتب ابراهيم غرايبة على هذا المقال الرائع الذي برع فيه في بيان مفهوم (الزاد و الملح )او(العيش و الملح) من منظور اجتماعي وتاريخي وديني واقتصادي.واسقاط هذا المفهوم على ثقافة العمل والانتاج و المساعدة لافراد المجتمع في مختلف مواقعهم للتعبير عن التضامن والحمايةلمصالح الناس وحقوقهم.ان الذين يهدرون اوقات الناس وكرامتهم ويعرضوهم للاذى ويضرون بمصالح المؤسسات يخونون الحياة ويفسدوها.ما احوجنا ان نتعلم من البحر وعلاقة الماء و الملح من اجل الحياة.
  • »محب الحكمة (محب الحكمة)

    الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
    تفكير أنثروبولوجي إناسي هائل. لو علم بك حسن قبيسي عليه الرحمة لأحبك.