إبراهيم غرايبة

المكان: مابين التمدن والإصلاح

تم نشره في الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

الدين والمدينة ينتميان إلى جذر لغوي واحد مستمد من الآرامية "الدين" بمعنى العدل، ويوم الدين في القرآن الكريم هو يوم العدل، هكذا فالمدن تقوم أساسا على العدل، أي القانون، فلا يمكن أن تنشأ مدن من غير القانون، ولا يمكن أن ينشأ تمدن من غير ثقافة القانون، والفكرة الجامعة للناس حول المكان هي أساس الدول والحضارات والعمل العام، لأنها تنشئ مصالح وتشريعات وثقافة منظمة للإدارة والحياة السياسية والثقافية مستمدة من تفاعل الناس مع المكان، وتعاقدهم على الأمن والعدل وتحقيق المصالح والاحتياجات وفق تفاعلهم مع المكان وليس ما تقتضيه بيئة الإنتاج والحماية الأخرى المنتمية إلى الريف أو البادية.

وتتجه المجتمعات والحضارات في مسارها العام إلى التمدن، وكانت المدن هي مركز الحكم والثقافة والرسالات السماوية أيضا، وتعتبر ظاهرة التريف في المدن والسلطة والثقافة العربية معاكسة للاتجاه المفترض لتطور الحياة العامة والسياسية، وربما تكون من أسباب فشل التنمية والإصلاح والمشاركة السياسية والعامة.

وتجمع الناس حول المكان في عقد اجتماعي هو أول وأهم خطوات ومقتضيات التحضر، فالمدن هي مركز العمل العام والاجتماعي والحضاري والإبداع، ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون الإنسان منتميا إلى مدينة أو تجمع حضري، فالرعاة والصيادون لا يمكن أن يؤسسوا أعمالا ومشاريع وبرامج اجتماعية وثقافية.

وكانت إقامة مجتمع إسلامي أساس الدعوة الإسلامية، وسميت يثرب "المدينة" في دلالة رمزية مهمة على أن الإسلام يقوم ويعمل ويطبق أساسا في مدينة، ولا يمكن أن تكون الرسالة إلا في المدينة، فلا تنجح ولا يصح أن تكون ابتداء في القرى الصغيرة والمراعي والتجمعات المحدودة، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينهى من يسلم من أهل البادية أن يعود إليها، ليبني مجتمعا مدينيا.

والناظر في أحكام الإسلام وآدابه يجدها تؤسس لسلوك مديني متحضر يستوعب المكان الذي يجمع الناس، مثل الاستئذان عند دخول البيوت، والنهي عن رفع الصوت، والتجمل والتطيب والنظافة، والاستماع، وإشهار الزواج والشهادة عليه، وكتابة الدين، والانصراف بعد الطعام، والذوق العام، وغير ذلك كثير مما ينشئ عادات وتقاليد وثقافة مكانية مدينية ومجتمعية.

والمواطنة والجنسية عقد والتزام بين طرفين، الدولة والمواطن، وتقتضي الانتماء والمشاركة وأداء الواجبات، والمواطنة ليست عرقا أو اثنية، ولكنها تقوم على المكان، فمواطنو دولة هم الذين يتجمعون حول فكرة جامعة للدولة تقوم على أساس المواطنة والالتزام نحوها والتمتع بالحقوق والفرص التي تتيحها، فالانتماء يقوم أساسا على المكان، والمواطنة والجنسية هي علاقة اجتماعية تنشأ مع المكان.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أثر المكان (محمد البعول)

    الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2010.
    أستاذنا الغرايبة ،،، شكرا" لك .

    وردت لفظة المدينة في القرآن الكريم عدة مرات وبأشكال مختلفة

    المدينة المنورة " مدينة رسول الله " كما في قوله تعالى : " ومن اهل المدينة مردوا على النفاق " و " ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله".

    ووردت على لسان فرعون : " قال فرعون امنتم به قبل ان اذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها اهلها فسوف تعلمون " وهذه إشارة واضحة الى الحضارة الفرعونية التي كانت قائمة في مدينة ،وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف : " وقال نسوة في المدينة امراة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انا لنراها في ضلال مبين "

    ووردت على لسان اهل الكهف : (( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا ))

    ووردت ايضا" في مواقع اخرى كقوله تعالى : " وجاء رجل من اقصى المدينة يسعى "
    ولو دققنا النظر لوجدنا ان هذا اللفظ ورد في الحضارات التي يحكمها قوانين ودساتير تُنظم سلوكها ، بينما نجد ان لفظ ( قرية : قرى ) ورد غالبا" في أماكن لا تخضع لقوانين وغالبا" لفظ القرية والقرى جاء في جو من السلبية.

    والايات التي تدلل على ذلك كثيرة :

    " ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون " وقوله : " افامن اهل القرى ان ياتيهم باسنا بياتا وهم نائمون " و " وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد " وهذا الكلام ينطبق على ام القرى قبل أن تنطوي تحت راية دولة الاسلام المدنية فاطلق لفظ ام القرى على مكة المكرمة بقوله تعالى : "وهذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر ام القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ".
    **************

    وثيقة المدينة المنورة أو دستور المدينه الذي كتبه رسول الله هو وثيقة رائعة تنظم الحياة داخل المدينة المنورة وقد قامت هذه الوثيقة على اساس المواطنة والحقوق والواجبات ، وساوت بين كل الموطنين القاطنين في المدينة المنورة سواء أكانوا يهودا" أم غير يهود .
    والذي أستغربة ان مشايخنا هدانا وهداهم الله لا يتناولون هذه الوثيقة في خطبهم ومواعظهم !!!!!!!!! .
    ***********

    عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابة " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " يقول في معرض حديثه عن الدولة والبداوة : إن الحكومة او الدولة بمعناها الاعم ، لا تنشا عادة إلا في الحضارة ، فمن النادر ان نجد دولة تنشا في الحياة البدوية او البدائية .
    الدولة لا تنشأ الا في المجتمع الذي ينتج اكثر مما يستهلك كما أشار اليه العالم الاجتماعي سيمز ، فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة ، والمجتمع لا يستطيع أن يدفع الضرائب إلا إذا كان إنتاجة الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية ، وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الانتاج منظما" ووفيرا" .
    من الصعب ان تظهر الدولة في الصحراء ، فالانتاج فيها كما رأينا يكاد لا يكفي لسكانها المتزايدين .
    *************
    وانا بودي ان أسأل الاستاذ الفاضل الغرايبة

    هل هذه التحليلات التي تناولها الكاتب في مقالته او تلك التي تحدث عنها " علي الوردي "ما زالت صالحة للمرحلة التي نعيشها خصوصا" ونحن نعيش او نطمح ان نصل الى مجتمع المعرفة ؟؟!!!

    اعتقد ان السؤال مشروع في ظل تزايد وسائل الاتصال ووسائل المعرفة وبروز ما يُعرف مجتمع المعرفة وبالتالي تناقص الفجوة بين الحضارات المختلفة ويفقد المكان كثير من الخصائص التي كان يتمتع بها في السابق .


    وشكرا" .
  • »المدينه والمواطنه (احمد الجعافرة)

    الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2010.
    اشكر الكاتب القدير ابراهيم غرايبه على ربطه المحكم بين المدينه كظاهره حضاريه وبين المواطنه كهدف انساني لكل من يعيش في هذه المدينه - الدوله- ؛
    فالمدينه او الدوله نشأت تاريخيا من مجموعه من الناس ذوي المصالح المشتركه للمحافظه على كيانهم في مكان محدد ؛
    ونؤكد مع الكاتب ان سكان المدينه اية مدينه في العالم لم تكن تفرق بين ابنائها لان تطورها بحاجه لكل عضو فيها ؛ ومن هنا جاء الدين الاسلامي ليحظ الجماعه المدنيه على الاتحاد بحيث لايكون هناك فرق بين اعجمي وعربي الا في درجة انتمائه لهذه الامه- المكان- ؛وعليه فان الحديث الذي يسود بعض اوساط المثقفين حول شروط المواطنه وذالك باعتماد الاصول والمنابت على اعتبار انها احد اهم الشروط للحصول على المواطنه الحقه تلك الفكره ما هي الا نوع من انواع التجني على الواقع المعاش التي تعيشه المدينه- الدوله- التي اقل ما يقال عن اسباب تطورها هو وجود هذه التشكيله العرقيه والطائفيه والسياسيه اي من الاطياف جميعها ؛ بحيث اذا تم تحريك هذا القرص ظهر اللون الابيض وطغى على جميع الالوان الاخرى ؛ ومن هنا يأتي الحديث عن عدم المغالاه في التأكيد على لون محدد لانه سيضيع ويختفي عندما يدور القرص بشكل فعال وحضاري ؛
  • »something new (mohammad)

    الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2010.
    تجلّيات رائعة مفيدة ... جزاك الله خيرا ، أعترف بأن هذه معلومات
    لغوية جديدة بالنسبة لي .